تتحوّل عمليات تفجير المنازل في جنوب لبنان إلى نمطٍ شبه يومي، يضع الدولة اللبنانية أمام معادلة صعبة: احتجاجٌ سياسي متصاعد في الأعلى، ورادٌّ ميداني شبه غائب في الأسفل. فبينما تتوالى بيانات الإدانة من بيروت، تُواصل القوات الإسرائيلية تفخيخ الأبنية ونسفها في البلدات الحدودية، من دون أن يوقفها اتفاق وقف النار المعمول به منذ أواخر عام 2024.

ما الذي جرى في زوطر الشرقية؟

أفاد الجيش اللبناني بأنّ القوات الإسرائيلية أقدمت على تفجير منشآت مدنية ومنازل في بلدة زوطر الشرقية في قضاء النبطية، في عملية هي الأحدث ضمن سلسلة من عمليات النسف التي طالت قرى وبلدات عدّة قرب الحدود. وبحسب ما نقلته وسائل إعلام عربية عن مصادر ميدانية، شملت العمليات مقارّ بلدية ومبانيَ رسمية إلى جانب منازل المدنيين وبنى تحتية.

وتندرج هذه العمليات في إطار ما تصفه إسرائيل بأنّه "إزالة للبنى التحتية" في المنطقة الحدودية، فيما تعتبرها بيروت خرقاً متمادياً لسيادتها ولاتفاق وقف الأعمال العدائية الذي أنهى الحرب الأخيرة.

بيروت: اجتماع رئاسي ـ حكومي

على الضفّة السياسية، بحث رئيس الجمهورية جوزيف عون مع رئيس مجلس الوزراء نواف سلام الأوضاع العامة في البلاد، ولا سيّما في الجنوب، في ضوء استمرار الاعتداءات الإسرائيلية وما يرافقها من تدمير وتفجير للمنازل والممتلكات في عدد من القرى والبلدات الجنوبية.

وتناول اللقاء، وفق ما أوردته وكالات الأنباء، زيارة رئيس مجموعة التنسيق العسكرية الخاصة بلبنان (MCG4L) الجنرال جوزيف كليرفيلد، وما رافقها من مباحثات تتّصل بالتطورات والترتيبات الأمنية في الجنوب. كما عرض الرئيسان الملفات المطروحة على جدول أعمال جلسة مجلس الوزراء.

هذه الآلية ـ مجموعة التنسيق العسكرية ـ هي الإطار الذي يُفترض أن يُراقب تطبيق وقف النار وانسحاب القوات، لكنّ استمرار عمليات النسف يطرح سؤالاً مباشراً عن قدرتها الفعلية على ضبط الميدان.

"لن ننسحب": الموقف الإسرائيلي المعلن

في المقابل، جاء الموقف الإسرائيلي حاسماً في لهجته. فقد أعلن وزير الدفاع يسرائيل كاتس أنّ بلاده "لن تنسحب من المناطق الأمنية"، لا في لبنان ولا في سوريا ولا في غزة، مؤكداً المضيّ في ما وصفه بتأمين المناطق الحدودية الشمالية. هذا التصريح يضع سقفاً واضحاً أمام أي رهان لبناني أو دولي على انسحابٍ قريب، ويكشف الفجوة بين الترتيبات المفترضة على الورق والسلوك الفعلي على الأرض.

واقعة الحساب المخترق

وفي تطوّر يعكس حساسية اللحظة، أعلن رئيس الحكومة نواف سلام أنّ حسابه على منصة "إكس" تعرّض للاختراق، وأنّ منشوراً كان قد نشره يدين فيه الاعتداءات الإسرائيلية على جنوب لبنان قد حُذف. الواقعة، على رمزيتها، تختصر جانباً من المعركة الموازية على السرديّة والرواية في فضاءٍ رقمي بات جزءاً من ساحة الاشتباك.

الخلاصة: احتجاجٌ بلا رافعة

يبقى السؤال الأصعب أمام الدولة اللبنانية: كيف تترجم الإدانة السياسية إلى فعلٍ يحمي الأهالي ويوقف تدمير قراهم؟ فبين اجتماعٍ رئاسي ـ حكومي في السرايا، وتصريحٍ إسرائيلي يرفض الانسحاب، تبدو أدوات بيروت محصورة في المسار الدبلوماسي والضغط عبر آلية التنسيق والأمم المتحدة. وحتى إشعارٍ آخر، يظلّ الجنوب ساحة اختبارٍ لقدرة الدولة على فرض سيادتها، وللمسافة بين ما يُقال في العاصمة وما يحدث على خطّ التماس.