في اقتصاد منهك مثل الاقتصاد اللبناني، لا تُقاس السنة بأرقام النمو وحدها، بل بما إذا كان النازف قد توقّف عن النزف. وعام 2026 يقدّم الجواب القاسي: التعافي الذي بدأ يلوح في 2025 لم يصمد. عاد الانكماش، لا بفعل خلل داخلي جديد فحسب، بل لأن الحرب ضربت من جديد ما كان يُرمَّم بصعوبة. وفي موازاة ذلك، يتحرّك ملفّ الإصلاح المصرفي بعد سنوات من الجمود. لكن بين الانكماش والإصلاح، يظلّ السؤال الأثقل بلا جواب: من يدفع؟

من تعافٍ هشّ إلى انكماشٍ بفعل الحرب

الرقم الذي يلخّص السنة جاء من البنك الدولي: انكماشٌ متوقّع بنسبة 6.4% للناتج المحلي في 2026. وهو ليس مجرّد تراجع، بل انقلابٌ كامل في المسار. فبحسب تقرير البنك الصادر في آب/أغسطس، يأتي هذا الانكماش ليمحو نمواً كان مقدّراً بنحو 4%، وليعكس توسّعاً فعلياً بلغ 4.2% في 2025، هو الأسرع منذ عام 2019.

بكلامٍ آخر، كان لبنان قد بدأ فعلاً يلتقط أنفاسه، مدفوعاً بعودة تدريجية للسياحة والتحويلات وبعض الخدمات، قبل أن يُطيح العدوان الإسرائيلي بهذا المسار. فالبنك الدولي يربط صراحةً انتكاسة 2026 بالتصعيد العسكري في لبنان والمنطقة، الذي أضرّ بالبنى التحتية، وشرّد المجتمعات، وأصاب في مقتلٍ قطاعَي السياحة والخدمات المعتمدَين على دول الخليج. ويترافق الانكماش مع موجة تضخّم جديدة قدّرها البنك بنحو 17.5%، تقضم ما تبقّى من القدرة الشرائية.

الخلاصة الأولى إذاً بسيطة وموجعة: في لبنان، لا يكفي أن تُصلح؛ يكفي أن تندلع حربٌ أخرى ليعود كلّ شيء إلى الوراء.

جرح الودائع: نحو سبعين مليار دولار تنتظر من يتحمّلها

تحت سطح أرقام النمو، تكمن الفجوة الأصل: خسائر النظام المصرفي. فبحسب ما نقلته وكالة "رويترز" ومنصّات اقتصادية متخصّصة، يدور الحديث عن نحو سبعين مليار دولار من الخسائر التي يتعيّن توزيعها بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف والمودعين.

هذه ليست مسألة محاسبية باردة. خلف الرقم ملايين اللبنانيين الذين ما زالت مدّخراتهم محتجزة منذ خريف 2019، يسحبونها بالقطّارة وبأسعار صرفٍ تلتهم قيمتها. والسؤال الذي يقرّر مصير هذه الودائع لم يُحسم بعد؛ إذ إنّ الآلية التي ستحدّد كيفية توزيع الخسائر ومقدار ما يُقتطع من كلّ شريحة متروكةٌ لقانونٍ آخر لم يُقرّ بعد، هو "قانون الانتظام المالي واستعادة الودائع". وإلى أن يُبصر هذا القانون النور، يبقى المودع الصغير معلّقاً بين وعودٍ بالاستعادة وواقعٍ بالاحتجاز.

قانون المصارف: خطوةٌ يشيد بها الصندوق، لكنها ليست الحلّ

الحدث التشريعي الأبرز هو إقرار البرلمان تعديلات على قانون إعادة هيكلة المصارف. القانون يعيد تكوين "الهيئة المصرفية العليا" في مصرف لبنان، ويمنحها صلاحية تقرير مصير كلّ مصرف: إعادة هيكلته، أو تصفيته، أو تأهيله. وهو إطارٌ لعملية تدقيقٍ تقودها الدولة لفرز المصارف القابلة للاستمرار من تلك التي انتهت.

لاقى القانون ترحيباً لافتاً من صندوق النقد الدولي الذي وصفه بأنه "خطوة كبرى". ونقلت "رويترز" عن النائب آلان عون، عضو لجنة المال والموازنة، قوله إنّ البرلمان لبّى "99% ممّا طلبه الصندوق". لكن ينبغي قراءة هذا الإشادة بحجمها الحقيقي: هي إشادة بالنصّ، لا بالنتيجة. فالقانون نفسه كان قد أُقرّ للمرة الأولى في 2025، قبل أن تفرض انتقادات الصندوق وقرارٌ من المجلس الدستوري حول عدم دستورية بعض بنوده إعادةَ صياغته. أي أنّ الطريق إلى هنا كان متعثّراً، وما يُنجَز اليوم هو تصحيحٌ لمسارٍ سبق أن تعثّر.

صندوق النقد يعود إلى بيروت: الشرط الغائب اسمه التطبيق

بحسب ما أُعلن، يستأنف صندوق النقد اجتماعاته في بيروت في منتصف أيلول/سبتمبر، وقد وجّه مديره الإقليمي رسالة تهنئة إلى وزير المالية ياسين جابر على إقرار القانون. لكنّ لهجة الصندوق ظلّت مشروطة. فممثّله في لبنان شدّد على أنّ "التطبيق الفعّال لهذا الإطار الجديد أمرٌ بالغ الأهمية"، في تذكيرٍ بأنّ العبرة ليست في تمرير القوانين بل في إنفاذها.

وما يريده الصندوق يتجاوز نصّاً واحداً: إقرار قانون توزيع الخسائر، وتعديلاتٍ ضريبية تحفّز الاستثمار المحلي في إعادة الإعمار، وقبل ذلك كلّه إثبات أنّ المؤسسات قادرة على التنفيذ لا على التشريع فقط. هنا يكمن جوهر المسألة: لبنان بارعٌ في كتابة القوانين تحت الضغط، ومتعثّرٌ دائماً في لحظة تطبيقها حين تصطدم بشبكات المصالح.

من يدفع الفاتورة؟ الأطراف في مرمى الكساد

خلف كلّ هذا النقاش التقني، ثمة واقعٌ لا تلتقطه جداول البنك الدولي جيّداً: توزّع الألم ليس متساوياً. فحين ينكمش الاقتصاد بفعل الحرب، لا يُصاب الجميع بالقدر نفسه. المناطق التي دفعت ثمن العدوان بالدم -الجنوب والبقاع والضواحي والأطراف المنسيّة- هي نفسها التي تدفعه اليوم بالكساد: أرضٌ زراعية عُطّلت مواسمها، وسياحة داخلية انهارت، وأسواقٌ محلية جفّت، ونازحون فقدوا مصادر رزقهم مرّتين؛ مرّة تحت القصف، ومرّة في الحساب المصرفي المجمّد.

المفارقة أنّ النقاش الاقتصادي يُدار في بيروت بلغة الهيئات والمعايير الدولية، فيما الفاتورة الأثقل تُدفع بعيداً عن الطاولة، في القرى التي لا يصلها لا التعويض ولا الإعمار بالسرعة نفسها التي تصل بها القذائف. أيّ خطة تعافٍ لا تضع هذه الأطراف في مركزها، لا في هامشها، ستُعيد إنتاج الخلل نفسه الذي أنتج الأزمة أساساً: اقتصادٌ يخدم المركز ويترك الأطراف تنزف.

خلاصة: بين النصّ والإنفاذ، والفاتورة معلّقة

عام 2026 يترك لبنان أمام معادلة قاسية: حربٌ أعادت الانكماش، وإصلاحٌ مصرفيٌّ خطا خطوةً على الورق لكنه لم يُختبر بعد على الأرض، وصندوق نقدٍ يعود بشروطٍ عنوانها التطبيق لا التشريع. أمّا القرار الأصعب -من يتحمّل الخسائر، والمودع الصغير أم المنظومة التي راكمت الأرباح لعقود- فما زال مؤجّلاً.

يبقى أنّ أيّ تعافٍ حقيقي لا يُقاس بعدد القوانين المُقرّة، بل بما إذا كان المواطن العادي قد استعاد وديعته وقدرته على العيش. وإلى أن يحدث ذلك، سيظلّ الاقتصاد اللبناني قصّة تعافٍ مؤجَّل، وفاتورةٍ معلّقة فوق رؤوس من دفعوا أصلاً أكثر من غيرهم.