تَعِدُ الدولة اللبنانية بإعادة إعمار الجنوب والضاحية والبقاع، وتُطلق المناقصات وتُعلن الأرقام. لكنّ وعدَ الإعمار يصطدم بجدارٍ واحد: من أين يأتي المال؟ فاتورةٌ تتجاوز قدرة الخزينة، ومسارٌ مع صندوق النقد الدولي لم يُثمر اتفاقاً بعد، واقتصادٌ يتّجه إلى انكماشٍ جديد. بين الوعد والقدرة، يبقى الإعمار معلّقاً، وينتظر النازحون.

هذه ليست أزمة محاسبة فحسب. خلف كل رقمٍ بيوتٌ مهدومة وأهلٌ لم يعودوا، وقرى في الجنوب تحوّل انتظارها إلى سنوات.

فاتورةٌ تفوق قدرة الدولة

قال رئيس الحكومة نواف سلام في أيلول إنّ كلفة حربَي إسرائيل على لبنان منذ عام 2023 قد تتجاوز 27 مليار دولار، مشدّداً على أنّ إعادة الإعمار تفوق قدرة الدولة الحالية وتتطلّب دعماً عربياً ودولياً، وفق ما نقلت وكالة الأناضول و"تي آر تي".

وأضاف سلام أنّ البنك الدولي قدّر الأضرار المباشرة لعدوان آذار 2026 وحده بين 3 و4 مليارات دولار. رقمٌ كبيرٌ على خزينةٍ خارجةٍ من انهيارٍ ماليٍّ لم تُطوَ صفحته بعد.

طريقُ صندوق النقد المسدود حتى الآن

في أيلول، أنهت بعثة صندوق النقد الدولي زيارتها إلى بيروت من دون التوصّل إلى اتفاقٍ على مستوى الموظفين. وُصفت المحادثات بالبنّاءة، وقيل إنّها تتقدّم نحو مرحلةٍ أكثر تقدّماً، بحسب وكالة رويترز.

وشدّد الصندوق في بيانه على أهمية إقرار إطارٍ ماليٍّ متوسط المدى لترسيخ استدامة المالية العامة وإفساح المجال أمام الإنفاق على إعادة الإعمار والحماية الاجتماعية. وفي واشنطن، أكّد وزير المال أنّ الهدف هو التقدّم في مسار التفاوض نحو اتفاقٍ مع الصندوق، وتطوير التعاون مع البنك الدولي لتمويل مشاريع الطاقة والمياه وإعادة الإعمار وشبكات الأمان الاجتماعي.

اقتصادٌ ينكمش والتضخّم في خانة العشرات

يرسم صندوق النقد والبنك الدولي صورةً قاتمة لعام 2026: انكماشٌ ملحوظٌ في النشاط الاقتصادي، وتضخّمٌ ما زال في خانة العشرات تشير توقعاتٌ إلى بلوغه قرابة 17.5 في المئة، واتّساعٌ في عجز الحساب الجاري بفعل ارتفاع تكاليف الاستيراد والشحن. استقرارُ سعر الصرف لم يُطفئ الضغوط التضخّمية، والتعافي الهشّ يتهدّده كلّ تصعيدٍ أمنيٍّ جديد.

النبطية: وعدٌ من قلب الركام

من النبطية، أعلن سلام إطلاق 23 مناقصةً لإعادة الإعمار، وقال إنّ الدولة لن تنتظر تسويةً إقليميةً كبرى لتبدأ. خطابٌ يريد أن يطمئن أهل الجنوب بأنّ الدولة حاضرة. لكنّ الخبراء يربطون تنفيذ هذه المناقصات بالتمويل، والتمويل مرهونٌ باتفاقٍ مع صندوق النقد وبدعمٍ عربيٍّ ودوليٍّ لم يُحسم بعد. الإعلان سياسيٌّ سريع، والتنفيذ ماليٌّ بطيء.

الجنوب ينتظر

بين وعد الدولة وشرط الصندوق، يقف أهل الجنوب. النازحون الذين مُنعوا من العودة إلى قراهم الحدودية، والعائلات التي تسكن بيوتاً نصف مهدّمة، لا يقرأون الفاتورة بالمليارات بل بعدد الشتاءات التي تمرّ قبل أن يُعاد بناء السقف. إعادة الإعمار عندهم ليست بنداً في موازنة، بل حقٌّ في العودة إلى الأرض.

هذا هو الثمن الخفيّ للإعمار المعلّق: أن يتحوّل مصير الناس إلى ورقة تفاوضٍ بين الدولة والدائنين، وأن يُقاس صبر الجنوب بإيقاع المفاوضات.

خلاصة

من دون اتفاقٍ مع صندوق النقد وتمويلٍ خارجيٍّ موازٍ، يبقى إعمار الجنوب وعداً أكثر منه مشروعاً. والدولة التي تَعِدُ تعرف أنّ مفتاح العودة ليس في يدها وحدها، بل في طاولةٍ ماليةٍ وسياسيةٍ ما زالت مفتوحة. حتى ذلك الحين، يبقى الجنوب معلّقاً بين كلفة حربٍ لم يخترها وشرطِ تمويلٍ لا يملك زمامه.