بعد ست سنوات على انهيار عام 2019، يبدو أن أسوأ ما في الأزمة اللبنانية قد مضى: سعر الصرف توقّف عن الانهيار واستقرّ عند نحو 89,500 ليرة للدولار، ومعدل التضخم تراجع من نحو 220% عام 2023 إلى 15.7% اليوم. لكن هذا الاستقرار النقدي لا يُشبه الانفراج المعيشي. فالأسعار التي قفزت خلال سنوات الانهيار لم تعد إلى الوراء، بل رست عند مستوى مرتفع يصفه أستاذ الاقتصاد في الجامعة اللبنانية الدكتور جاسم عجاقة بـ"الحد الأدنى للأسعار". دخل لبنان، بهذا المعنى، زمن الغلاء المزمن.

من الدوامة النقدية إلى الدولرة الشاملة

يقسّم عجاقة، في حديث نشرته صحيفة "نداء الوطن"، مسار الأزمة إلى مرحلتين. الأولى، بين عامي 2019 و2023، هي "الدوامة النقدية": تمويل الدين العام عبر الإصدار النقدي من مصرف لبنان، فتوسّع سريع في الكتلة النقدية، فانهيار سعر صرف الليرة، وصولًا إلى معدل تضخم قياسي بلغ نحو 220% عام 2023.

أما المرحلة الثانية، من عام 2024 حتى اليوم، فعنوانها الدولرة النقدية والعبء المالي: بات تسعير السلع والخدمات بالدولار شبه كامل، ما ثبّت سعر الصرف عند نحو 89,500 ليرة للدولار، لكنه رسّخ الأسعار عند مستوى مرتفع. ومع التوقف الكامل عن دعم السلع والانتقال إلى التسعير بالدولار النقدي، تراجعت وتيرة انهيار الليرة، غير أن التضخم لم يختفِ؛ صار مدفوعًا بكلفة الاستيراد وسلاسل التوريد أكثر مما هو مدفوع بالكتلة النقدية.

استقرارٌ لا يعني عودة الأسعار

هنا مربط الفرس: لم يعد تغيّر سعر الصرف المحرّك الوحيد للأسعار، بعدما أصبحت غالبية السلع مسعّرة بالدولار. الدولرة، كما يقول عجاقة، "أسهمت في وقف الانخفاض غير المسبوق في قيمة العملة، لكنها في المقابل رسّخت مستويات مرتفعة من تكاليف المعيشة". ويزيد الطين بلّة أن تعديل احتساب "الدولار الجمركي" ليقترب من سعر السوق عزّز إيرادات الدولة، لكنه رفع في المقابل كلفة السلة الاستهلاكية على المواطن.

النتيجة أن رقم التضخم عند 15.7% قد يوحي، للوهلة الأولى، ببدء استقرار الوضع، فيما الواقع المعيشي لا يتحسّن. الاستقرار النقدي النسبي، بتعبير عجاقة، لا يعني بالضرورة تحسنًا في الظروف المعيشية للبنانيين.

اقتصادٌ مقسوم: من يقبض بالدولار ومن لا يقبض

خلف المؤشرات العامة تشوّهات عميقة في توزيع الدخل. فالأجور الحقيقية في القطاع العام تراجعت، بحسب عجاقة، بأكثر من 80% مقارنة بمستويات ما قبل عام 2019. في المقابل، تحافظ الأسر التي تتلقى تحويلات مالية من الخارج، وتتراوح قيمتها بين 6 و7 مليارات دولار سنويًا، أي ما يعادل نحو 30% إلى 35% من الناتج المحلي الإجمالي، على مستويات استهلاك أكثر استقرارًا.

هكذا انقسم الاقتصاد اللبناني إلى فئتين: فئة تتلقى مداخيلها بالدولار أو تستفيد من تدفقات مالية خارجية، وفئة أخرى بقيت أسيرة مدخول محلي فقد جزءًا كبيرًا من قدرته الشرائية. الغلاء المزمن، في هذا المعنى، ليس عبئًا موزّعًا بالتساوي؛ إنه أثقل على من لا دولار له.

اقتصاد الكاش وغياب الائتمان

لا تقف التداعيات عند الأسعار وسعر الصرف. فبعد انهيار القطاع المصرفي، تحوّل لبنان بصورة متزايدة إلى اقتصاد قائم على النقد، مع بلوغ حجم الاقتصاد النقدي مستويات تتجاوز 50% من الناتج المحلي الإجمالي، وفق عجاقة. وغياب الائتمان المصرفي قلّص الاستثمارات الإنتاجية للشركات، فيما تبقى مخاطر القصور في تشريعات مكافحة غسل الأموال معلّقة فوق علاقة لبنان بالنظام المالي العالمي. اقتصادٌ يدور نقدًا، بلا وساطة مصرفية فاعلة، هو اقتصاد يصعب أن ينمو أو أن يستقطب استثمارًا منتجًا.

هل يتحوّل الغلاء إلى توتر اجتماعي؟

يحذّر عجاقة من أن "استقرار معدل التضخم العام لا يعكس بالضرورة حقيقة الوضع الاجتماعي، إذ تخفي المؤشرات العامة تشوهات هيكلية عميقة في توزيع الدخل والقدرة على الاستهلاك". والسؤال الذي يطرحه صريح: هل يتحوّل التضخم الهيكلي إلى مصدر إضافي للتوتر والاستياء الاجتماعي؟

ما دام رقم التضخم ينزل بينما القدرة الشرائية تتآكل، فإن الأسر الأكثر هشاشة، ولا سيما تلك التي تعتمد على مدخول محلي في المناطق التي أنهكتها الحرب والإهمال، هي التي تدفع الثمن الأكبر. استقرار الأرقام شيء، وعودة الطمأنينة المعيشية إلى موائد الناس شيء آخر.