بعد سنوات من الانهيار الذي محا مدّخرات مئات آلاف اللبنانيين، ما زال سؤالٌ واحد بلا جواب حاسم: من يملك حقّ محاسبة المصارف قضائياً باسم المودعين؟ عاد هذا السؤال إلى الواجهة بعد تصريحٍ منسوب إلى أعلى موقع في النيابة العامة اللبنانية، أعاد رسم الحدود بين من يحقّ له أن يقاضي، ومن يبقى خارج الباب.

الجملة التي أعادت فتح الجدل

في تصريح لموقع «درج»، أفاد النائب العام التمييزي القاضي أحمد رامي الحاج بما مفاده أنّ لا صفة لأحد في رفع دعوى على المصارف سوى حاكم مصرف لبنان. جملة قصيرة، لكنّها تلامس جوهر معركة قانونية طويلة: هل المودع المتضرّر، الذي فقد وديعته، طرفٌ يملك حقّ اللجوء إلى القضاء ضدّ مصرفه؟ أم أنّ هذا الحقّ محصورٌ بجهات رسمية محدّدة؟

جاء التصريح على خلفية دعوى لافتة. ففي شباط/فبراير 2026، تقدّمت «رابطة المودعين في لبنان» إلى جانب نواب، بينهم حليمة قعقور ومارك ضو وياسين ياسين، بشكوى مباشرة مع اتخاذ صفة الادعاء الشخصي أمام النيابة العامة المالية، في ملف يتعلّق بمصرف عودة، وفق ما نشره موقع «المدن».

من هو المدّعي العام التمييزي، وما دوره؟

النائب العام لدى محكمة التمييز، المعروف بالمدّعي العام التمييزي، هو أعلى موقع في هرم النيابة العامة اللبنانية. يشرف على النيابات العامة الاستئنافية كافة في المحافظات، ويملك صلاحية تحريك الدعوى العامة ومتابعتها باسم المجتمع، حمايةً لما يُعرف قانوناً بـ«الحق العام».

بهذا المعنى، ليس المدّعي العام التمييزي طرفاً في نزاعٍ بين خصمين، بل هو المؤتمن على الملاحقة الجزائية حين يُمسّ النظام العام. وهنا تحديداً يكتسب موقفه من ملفات المصارف وزناً استثنائياً: فحين يرسم هذا الموقع حدود «الصفة»، فإنّه يقرّر عملياً مَن يُسمح له بأن يطرق باب العدالة في أكبر انهيارٍ مالي عرفه لبنان.

معضلة «الصفة»

جوهر الخلاف قانوني بامتياز. يستند تفسيرٌ متداول إلى أنّ ملاحقة المصارف تمرّ حصراً عبر قنوات محدّدة، في مقدّمها حاكم مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف، بوصفهما الجهتين الرقابيتين على القطاع. وفي المقابل، يدفع محامو المودعين وجمعياتهم بأنّ المتضرّر المباشر، الذي احتُجزت أمواله، يملك حقّ الادعاء الشخصي أمام القضاء، وأنّ حصر الصفة بجهةٍ واحدة يُفرغ حقّ التقاضي من مضمونه.

النقاش ليس تقنياً محضاً. فخلف مفردة «الصفة» يكمن سؤالٌ أبسط وأقسى: هل يُترك مئات آلاف المودعين بلا باب قضائي يطرقونه بأنفسهم، في انتظار أن تتحرّك جهةٌ رسمية قد تكون هي نفسها موضع مساءلة؟

قضية بنك عودة في الخلفية

الملف الذي فجّر النقاش ليس جديداً. فبحسب تحقيقٍ نشره موقع «المدن»، تعود فصوله إلى صفقات على أسهم مصرف عودة جرت خلال العقد الماضي، دخلت لاحقاً في ملفٍ قضائي فُتح في فرنسا عام 2022، ويتناول وجهة انتقال حصصٍ من أسهم المصرف وطريقة تمويلها. وتتقاطع في هذا الملف أسماء مسؤولين سابقين وشخصيات نافذة، وهي وقائع لا تزال موضع تحقيق وادّعاء، لا أحكام قضائية باتّة.

وفي سياق المحاسبة الأوسع، ادّعي في آب/أغسطس 2026 على حاكم مصرف لبنان الأسبق رياض سلامة ورئيس مجلس إدارة بنك عودة السابق سمير حنّا في ملفاتٍ مالية، وفق ما نقلته وسائل إعلام لبنانية ودولية. تبقى هذه الادعاءات في إطار الملاحقة القضائية إلى حين تقول المحاكم كلمتها.

ما الذي يعنيه هذا للمودع؟

خلف المصطلحات القانونية، ثمة وجوهٌ فعلية: موظفٌ متقاعد جُمّدت مدّخرات عمره، عائلةٌ عجزت عن سحب ما ادّخرته لتعليم أبنائها، صاحب محلٍّ صغير تبخّر رأسماله بين ليلةٍ وضحاها. هؤلاء هم الطرف الأضعف في المعادلة، والأكثر تضرّراً، والأقلّ قدرةً على شقّ طريقهم في متاهات الصفة والاختصاص.

لذلك، فإنّ تحديد مَن يملك حقّ المقاضاة ليس تفصيلاً إجرائياً. إنّه، في جوهره، سؤالٌ عن العدالة: هل تُفتح أبواب المحاكم أمام من خسر، أم تبقى موصدة إلّا بمفتاحٍ في يد قلّة؟ في الإجابة عن هذا السؤال يتحدّد، إلى حدٍّ بعيد، معنى المحاسبة في لبنان ما بعد الانهيار.