يشدّد لبنان قبضته على قطاع الصرافة في محاولة لترتيب بيت ماليّ متصدّع منذ سنوات، لكنّ التعميم الجديد الذي رفع رساميل شركات الصرافة وضاعف متطلّبات الامتثال يصطدم بسؤالٍ لا يزول: هل تكفي إجراءات تطال أقلّية مرخّصة من الصرافين لإخراج لبنان من اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي ومن قائمة الاتحاد الأوروبي للدول عالية المخاطر، ما دام اقتصاد الكاش يبتلع القسم الأكبر من التعاملات؟

الرهان ليس تقنياً وحده. فالبقاء على القائمتين يترجَم عملياً تعقيداً في التحويلات بالعملات الأجنبية، وعراقيل إضافية على القطاع الخاص والمغتربين، في بلدٍ لا يزال يرزح تحت وطأة انهيارٍ ماليّ لم تُطوَ صفحته منذ 2019.

تعميمٌ يعيد رسم خريطة الصرافة

في 18 آب 2026، رفع مصرف لبنان الحدّ الأدنى لرأسمال مؤسسات الصرافة بموجب القرار الأساسي رقم 6: 25 مليار ليرة (نحو 279 ألف دولار) للفئة «أ»، و10 مليارات ليرة للفئة «ب»، فيما بلغ السقف 100 مليار ليرة لخدمة شحن الأوراق النقدية والمعادن الثمينة عبر الحدود، و25 ملياراً لخدمة التحويل غير الرسمي للأموال.

بحسب أرقام مصرف لبنان، بلغ عدد المؤسسات المرخّصة في أيار الماضي نحو 291 مؤسسة، بينها 47 من الفئة «أ» و244 من الفئة «ب». وبما أنّ رأس المال الأكثر شيوعاً كان لا يتجاوز 750 مليون ليرة في الفئة الأولى و250 مليوناً في الثانية، فإنّ التعميم يفرض عملياً مضاعفة الرساميل عشرات المرّات.

ولا يقف التشدّد عند الرقم: يُلزم التعميم شركات الصرافة بتعيين ضابط امتثال متخصّص بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، وتركيب كاميرات مراقبة تُحفظ تسجيلاتها ستّة أشهر على الأقلّ، وإجراء تدقيق خارجيّ سنويّ، وتطبيق إجراءات «اعرف عميلك»، وحفظ السجلّات عشر سنوات، والإفصاح عن أسعار الصرف. ويمنح النصّ مصرف لبنان صلاحيات عقابية واسعة تبدأ بغرامات من 500 مليون ليرة عن المخالفة الواحدة وتصل إلى شطب المؤسسة. ومُهِل الصرافون سنة كاملة، قابلة للتجديد ستّة أشهر، للالتزام أو الخروج من السوق.

تسهيلاتٌ في مقابل التشدّد

لم يأتِ القرار عقاباً صرفاً. فقد فتح مصرف لبنان أمام مؤسسات الفئة «ب» باب العمل وكيلاً لشركات تحويل الأموال الإلكترونية مثل «OMT» و«Whish»، وأجاز تنفيذ حوالات تجارية ضمن سقفٍ محدّد وبضوابط. لذلك تلقّت نقابة الصرافين التعميم بإيجابية، ووصفه مصدر فيها بـ«القرار التصحيحي»، معتبراً أنّ المؤسسات الكبرى قريبة أصلاً من استيفاء الرقم الجديد وأنّ التعميم يقرّب القطاع من المعايير الدولية أكثر ممّا يهدّد وجوده، على ما نقلت صحيفة «المدن».

جوهر المشكلة: اقتصاد الكاش

هنا تحديداً يبدأ التحفّظ. يرى مدير المعهد اللبناني لدراسات السوق باتريك مارديني، في تصريح لموقع «إرم بزنس»، أنّ تضييق الخناق على الصرافين المرخّصين لن يحلّ مشكلة الإدراج على اللائحة الرمادية، لأنّ الاقتصاد النقدي يغطّي النسبة الأكبر من التعاملات ويجري خارج أيّ رقابة. والمفارقة أنّ التعميم موجّه إلى الصرافين النظاميين وحدهم، بينما تبقى السوق غير المرخّصة، وهي الأوسع، بلا ضابط. بل إنّ فرط التشدّد قد يدفع مزيداً من الصغار إلى العمل في الظلّ، فيتّسع ما يُفترض أن يُحاصَر.

الرمادية والقائمة الأوروبية: الكلفة على الناس

أُدرج لبنان على اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي في 25 تشرين الأول 2024، ثمّ على قائمة المفوضية الأوروبية للدول «عالية المخاطر» في حزيران 2025، وهو تصنيف جُدّد في حزيران 2026. وثمن هذا التصنيف يدفعه اللبنانيون في تفاصيل يومهم: تحويلات أصعب بالعملات الأجنبية وخصوصاً باليورو، ومصاعب متزايدة أمام التبادل التجاري للقطاع الخاص، تصيب المغترب الذي يرسل إلى أهله والتاجر الصغير قبل أن تصيب الأرقام الكبرى.

وفي مراجعتها الأخيرة في 19 حزيران 2026، أبقت مجموعة العمل المالي لبنان على اللائحة وكرّرت تقريباً بنود خطة العمل العشرة المطلوبة منه. ومن المرتقب أن تُجري المجموعة مراجعتها المقبلة في تشرين الأول، في ما يعدّه مراقبون امتحاناً مفصلياً لمسار بيروت.

الإصلاح الأعمق ما زال ناقصاً

يبقى تعميم الصرافة حلقة في سلسلة أطول لم تكتمل. فقبل نحو أسبوع من صدوره، أقرّ مجلس النواب تعديلات القانون المتعلّق بإصلاح وضع المصارف وإعادة تنظيمها. وفي 19 أيلول، بحث وفد من صندوق النقد الدولي مع رئيس الجمهورية جوزيف عون مسار إعادة هيكلة القطاع المصرفي ومشروع قانون الانتظام المالي واستعادة الودائع، ودعا الصندوق إلى استكمال إعادة الهيكلة، بحسب بيان الرئاسة اللبنانية.

الخلفية أثقل من التقنيّات: رجّح وزير المالية ياسين جابر انكماش الاقتصاد بين 7 و10 في المئة خلال 2026 بفعل المواجهات بين إسرائيل وحزب الله، مع أضرار قد تبلغ نحو 20 مليار دولار. وفي هذا المشهد، تبدو رساميل الصرافين الجديدة إجراءً ضرورياً لكنّه غير كافٍ: من دون إعادة هيكلة المصارف وقانونٍ يعيد للناس ودائعهم المحتجزة منذ 2019، يظلّ الخروج من «الرمادية» وعداً مؤجّلاً، ويظلّ المودع الصغير، لا الأرقام الرسمية، أوّل من يدفع كلفة الانتظار.