في منطقتنا، لعبارة «تغيير النظام» وقعٌ ثقيل: انقلابات، دبابات، تدخّلات خارجية تعيد رسم الخرائط بالدم. لكن ثمة تغيير نظامٍ آخر يجري اليوم في واشنطن، أكثر هدوءاً وأبعد أثراً على جيوب الناس من كثير من الحروب: تغييرٌ في هندسة المال نفسه. لا يُصنع في الشوارع بل في دفاتر المصارف وميزانية البنك المركزي الأميركي. وحين يتغيّر ترتيبُ الدولار، تهتزّ اقتصاداتٌ لا تملك من أمرها شيئاً، من الخليج إلى بيروت.

المناسبة تقريرٌ لمؤسسة الأبحاث المالية "Citrini Research" بعنوان "Regime Change"، يقدّم قراءةً لما يعتبره خطةً متكاملة يتقاسمها وزير الخزانة سكوت بيسنت ورئيس الاحتياطي الفدرالي الجديد كيفن وارش. القراءة اجتهادٌ تحليليّ لا حقيقة رسمية، لكن أركانها الوقائعية موثّقة في تصريحات ووثائق يمكن التحقق منها. نعرضها هنا مفكّكةً، ونصل بها إلى ما يعنينا.

من درس "سيليكون فالي بنك": ما الذي يقتل مصرفاً؟

تبدأ الحكاية من انهيار "سيليكون فالي بنك" (SVB) في آذار 2023. الدرس المؤسِّس بسيط وقاسٍ: المصرف لا يموت بالضرورة حين تتآكل ملاءته، بل حين تنفد سيولته في اللحظة التي يطلب فيها المودعون أموالهم دفعةً واحدة.

بحسب التقرير التشريحي للاحتياطي الفدرالي الذي يستند إليه التحليل، شهد المصرف تدفّقاً خارجاً بنحو 40 مليار دولار في يومٍ واحد، وكان يتوقّع 100 مليار إضافية في اليوم التالي: نحو 140 ملياراً، أي 85 في المئة من ودائعه. كان يملك محفظة سندات خزانة ورهون عقارية بنحو 120 مليار دولار، لكنها لم تكن "موضوعةً" على النحو الصحيح لدى نافذة الاقتراض في الفدرالي، فلم تُتَح سيولتُها في الوقت المناسب. النتيجة: أُقفل المصرف في 10 آذار 2023.

الخلاصة التي بُنِيَ عليها كلّ ما تلا: المصرفُ المهيّأ للاقتراض من الفدرالي أكثر سيولةً من المصرف غير المهيّأ، حتى لو تطابقت أصولهما. وهذه فكرةٌ تقنية ستتحوّل، بعد ثلاث سنوات، إلى رافعةٍ لإعادة هندسة النظام كلّه.

حصان طروادة: إصلاح قواعد السيولة

هنا بيت القصيد في قراءة "Citrini". الإصلاح المطروح لقواعد السيولة المصرفية يُقدَّم علناً بوصفه تحصيناً للمصارف من تكرار سيناريو SVB. لكن التقرير يقرأ فيه شيئاً أبعد: بوابةً لتحرير مئات مليارات الدولارات من الأموال "المحتجزة" احتياطاً، وضخّها في الاقتصاد عبر الإقراض.

آليّة الأمر تقنية لكنها حاسمة. تُلزَم المصارف اليوم بحيازة "أصول سائلة عالية الجودة" لتغطية أيّ نزوحٍ محتمل للودائع خلال 30 يوماً (قاعدة نسبة تغطية السيولة، LCR). في آذار 2026 دعا الوزير بيسنت صراحةً إلى الاعتراف بقدرة المصرف على الاقتراض من نافذة الفدرالي ضمن هذه النسبة، وأيّدته في اليوم نفسه نائبةُ رئيس الفدرالي للرقابة ميشيل بومان. وبعد أسابيع، طرح ستيفن ميران، عضو مجلس الفدرالي حينها، في ورقةٍ رسمية بعنوان "دليل المستخدم لتقليص ميزانية الفدرالي"، الاعترافَ بهذه القدرة ضمن بسط النسبة، بسقف 20 في المئة من الأصول السائلة.

ماذا يعني هذا عملياً؟ أن ما كان "سيولةً احتمالية" يصير سيولةً معترفاً بها. وبذلك يستطيع المصرف تحقيق النسبة نفسها بأصولٍ نقدية أقلّ، فيتحرّر الباقي للإقراض. قدّر ميران أن النظام المصرفي قد يُحرّر بين 500 مليار وتريليون دولار، أي ما يعادل 1.5 إلى 3 في المئة من الناتج المحلي الأميركي، قابلةً للإقراض بأثرٍ مضاعِف.

وثمة ما يشير إلى أن كبار المصارف يستبقون التغيير. فبحسب التقرير، خفّض "جي بي مورغان"، أكبر مصارف البلاد وصاحب نحو خُمس النظام المصرفي، نسبة النقد لديه إلى 6 في المئة، أدنى مستوى منذ الأزمة المالية الكبرى، فيما يعمل سائر النظام عند نحو 13 في المئة. وفي رسالته إلى المساهمين في نيسان 2026، دعا جيمي دايمون صراحةً إلى احتساب قدرة الاقتراض من نافذة الفدرالي سيولةً، مقدّراً أن ذلك وحده يرفع سيولة مصرفه القابلة للإقراض بنحو 500 مليار دولار.

"التفاف الخزانة": اتفاقٌ جديد مع الفدرالي

الطبقة الثانية من القراءة أدقّ وأخطر. فتحرير المصارف ليس سوى نصف الخطة؛ نصفها الآخر يخصّ الدَّين العام الأميركي.

المشكلة معروفة: كلفة خدمة الدَّين ترتفع. فبحسب مكتب الموازنة في الكونغرس، بلغ صافي مدفوعات الفائدة نحو 963 مليار دولار في الأشهر العشرة الأولى من السنة المالية 2026، أي قرابة 15 في المئة من الإنفاق الفدرالي. لتخفيف الضغط على الفوائد الطويلة، يميل بيسنت إلى إصدار سندات قصيرة الأجل (bills) بدل السندات الطويلة (bonds). وهو ما سمّاه بنفسه، في مقابلة مع "سي إن بي سي" في آب 2026، "التفاف الخزانة" (Treasury Twist): شراء الطويل وتمويله بإصدار القصير. وتحدّثت تقارير عن حساب الخزانة العام الذي يقارب تريليون دولار كذخيرةٍ ممكنة لإعادة شراء السندات.

المفارقة أن بيسنت كان من أشدّ منتقدي سلَفه جانيت يلين حين فعلت شيئاً مشابهاً؛ إذ أيّد عام 2024 تحليلاً لميران ونوريل روبيني اتّهم خزانة يلين بـ"إصدارٍ ناشطٍ" للسندات القصيرة لكبح الفوائد الطويلة وتجميل الاقتصاد قبل الانتخابات. اليوم يُنسب المنطق نفسه إلى الإدارة الحالية.

خلاصة "Citrini": المصارف تتمدّد والفدرالي يتقلّص، وكلاهما يشتري السندات القصيرة، والخزانة تصدرها بدل الطويلة، فيصير الورق الطويل أندر. اتفاقٌ ضمنيّ بين الخزانة والفدرالي على غرار "اتفاق 1951" الذي أنهى إخضاع الفدرالي للخزانة بعد الحرب. غير أن هذا الجزء تحديداً استنتاجٌ من التحليل، لا اتفاق مُعلَن، والوقائع المحيطة به (تصريحات بيسنت وضغطه على فدرالي وارش) موثّقة، أمّا "التنسيق" فقراءةٌ لا إقرار.

لماذا يعنينا هذا في لبنان والخليج؟

قد يبدو هذا كلّه شأناً أميركياً داخلياً. لكنه في الحقيقة يمسّ كلّ اقتصادٍ يتنفّس بالدولار، وفي مقدّمته اقتصادات المنطقة.

دول الخليج تربط عملاتها بالدولار وتحتفظ بجزءٍ وازنٍ من احتياطاتها وصناديقها السيادية في سندات الخزانة الأميركية. أيّ تحوّلٍ في تركيبة هذا الدَّين، من الطويل إلى القصير، ومن وفرةٍ إلى ندرةٍ في الورق الطويل، يطرح على مدراء تلك الأموال أسئلة إعادة التوظيف والعائد والمخاطر. وحين يتغيّر مسار الفائدة الأميركية، ينتقل الأثر تلقائياً إلى اقتصاداتٍ مربوطة بالدولار بحكم التثبيت.

أمّا لبنان فحالةٌ خاصة في هشاشتها. اقتصادٌ "مدولَر" حتى العظم، تحويلات مغتربيه بالدولار، وما تبقّى من احتياطات مصرفه المركزي بالدولار، وأسعارٌ ورواتب تُقاس فعلياً بالعملة الأميركية. بلدٌ كهذا يعيش ويموت على إيقاع عملةٍ لا يملك في هندستها كلمةً واحدة. حين تقرّر واشنطن كم دولاراً تطبع، وبأيّ أجلٍ تستدين، وكيف توزّع السيولة، فإنها تقرّر ضمناً جزءاً من مصير المودِع في طرابلس والمزارع في البقاع والأمّ التي تنتظر حوالة ابنها من الخليج.

وهنا المفارقة الأعمق: القرار يُصنع في قاعاتٍ مغلقة بين وزير خزانة ورئيس بنك مركزي وكبار المصرفيين، بينما الفاتورة، حين تُخطئ الحسابات، تتوزّع على من لا مقعد لهم إلى الطاولة. الأطراف تدفع دائماً ثمن هندساتٍ تُرسم في المركز.

حدود القراءة

الأمانة تقتضي التذكير بأنّ هذا سيناريو تحليليّ، لا نبوءة. صاحب التقرير نفسه يبيع "قراءةً" لمستثمرين، وله مصلحةٌ في وضوح السردية. كما أنّ الخطة قد ترتدّ: فحين يميل الدَّين نحو الآجال القصيرة، تصبح كلفته أشدّ حساسية لأيّ رفعٍ للفائدة، وقد يتحوّل ما يوفّره اليوم إلى عبءٍ غداً، كما نبّه محلّلون نقلاً عن مكتب الموازنة. والاعتراف بـ"السيولة الاحتمالية" سيولةً حقيقية رهانٌ على أنّ نافذة الفدرالي ستبقى مفتوحةً وقت الذعر، وهو ما لا يضمنه أحد سلفاً.

يبقى أنّ اتجاه الرياح واضح: واشنطن تريد فدرالياً أصغر، ومصارف أكبر، ودَيناً أرخص، ونمواً يموّله القطاع الخاص لا البنك المركزي. سمِّها "تغيير نظام" إن شئت. المهمّ أن نعرف، نحن في الأطراف، أنّ لعبة الدولار تُعاد هندستها، وأنّ من لا يفهم قواعدها الجديدة سيبقى يدفع أثمانها دون أن يعرف لماذا.

خلاصة

ما يجري في واشنطن ليس مجرّد نقاشٍ تقنيّ بين مصرفيين. إنه إعادة ترتيبٍ صامتة لأهمّ عملةٍ في العالم، تتقاطع فيها مصالح الخزانة والفدرالي وكبار المصارف. قد تنجح وقد ترتدّ، لكنها في الحالتين تعنينا: فالخليج دائنٌ كبير، ولبنان رهينةُ الدولار. أن نقرأ هذه الخريطة مبكراً ليس ترفاً فكرياً، بل شرطُ ألّا نُفاجأ حين يصل إلينا الموج قادماً من بعيد.