في بلدٍ عجزت دولته عن دفع رواتب موظفيه بقيمة تُذكر، وجمّدت مصارفه ودائع مواطنيه، ثمّة اقتصاد موازٍ صامت يُبقي ملايين اللبنانيين واقفين على أقدامهم: تحويلات المغتربين. المال الذي يرسله الابن من الخليج أو المهاجر من أوروبا وأفريقيا صار، منذ 2019، الشبكة التي تُطعم العائلات وتُعلّم الأولاد وتشتري الدواء، في غياب أيّ دولة قادرة. غير أنّ هذا الشريان نفسه بات اليوم مكشوفاً أمام عاصفة قادمة من الخارج.

آخر شبكة أمان

منذ عام 2019، يعيش لبنان أعنف انهيار اقتصادي ومالي في تاريخه، بحسب البنك الدولي. فقدت الليرة نحو 98 في المئة من قيمتها، وبات القطاع المصرفي عاجزاً عن السداد، ودُفع أكثر من ثلث السكان إلى ما دون خطّ الفقر، مع اتّساع الفوارق بين المناطق. في هذا الفراغ، حلّت تحويلات المغتربين محلّ الدولة المفلسة والودائع المحتجزة، لتصبح آخر شبكة أمان اجتماعي فعلية.

ويُعدّ لبنان من أكثر اقتصادات العالم اعتماداً على تحويلات أبنائه في الخارج قياساً إلى حجم ناتجه المحلي، بحسب بيانات مؤسّسات دولية. ليست هذه الأموال رفاهية، بل هي في كثير من البيوت مصدر الدخل الوحيد الذي يفصل بين الكفاف والجوع.

اقتصادٌ يقوم على الغائبين

تدخل هذه التحويلات غالباً نقداً، عبر شركات الصرافة والحوالات أو باليد، فتغذّي اقتصاداً صار مدولراً بحكم الأمر الواقع. هي التي تُبقي عجلة الاستهلاك دائرة، وتموّل أقساط المدارس وفواتير المستشفيات في مناطق حرمها انهيار الدولة من أبسط الخدمات. والعائلات الأكثر اعتماداً عليها هي غالباً عائلات الأطراف والجنوب والبقاع، حيث الغياب الرسمي أقدم وأعمق.

لكنّ هذا النموذج، على حيويّته، يخفي هشاشة بنيوية: بلدٌ يُوكِل بقاء مواطنيه إلى أبنائه المهاجرين هو بلدٌ يستورد قوته من الخارج، ويرهن استقراره بظروفٍ لا يملك منها شيئاً.

عاصفة قادمة من الخارج

هنا يكمن الخطر. فمعظم المغتربين الذين يُعيلون لبنان يعملون في اقتصادات الخليج والغرب، وأيّ تباطؤ أو اضطراب فيها ينعكس مباشرة على حجم ما يُرسَل إلى الداخل. ويضاف إلى ذلك تشدّد المعايير المالية الدولية ومراقبة قنوات التحويل: فقد طالب وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، في تصريحاته من واشنطن أواخر أيلول/سبتمبر 2026، لبنان بتعطيل الشبكات المالية المرتبطة بإيران و"حزب الله" وبإصلاح قطاعه المصرفي، وهو ضغطٌ قد يطاول، في تطبيقه، قنوات التحويل التي تعتمد عليها عائلات لا شأن لها بالسياسة.

وتزيد كلفة الحرب الأخيرة الطين بلّة. فبحسب تقييم البنك الدولي (تشرين الثاني/نوفمبر 2024)، بلغت كلفة عدوان 2023-2024 على لبنان نحو 14 مليار دولار، وتُقدَّر حاجات إعادة الإعمار بنحو 11 مليار دولار. في هذا السياق، يصبح اعتماد الناس على تحويلات الخارج أعمق، فيما القدرة على حماية هذا الشريان أضعف.

الدولة الغائبة

يبقى السؤال الأصعب: ماذا يعني أن يعيش بلدٌ ستّ سنوات على مالٍ يأتيه من خارج حدوده؟ تحويلات المغتربين لم تُعالج الأزمة، بل غطّت على غياب الدولة وأجّلت انفجارها الاجتماعي. وما دامت المصارف معطّلة والقنوات الرسمية غائبة، تبقى هذه الأموال أسيرة اقتصاد نقديّ هشّ، عاجزة عن أن تتحوّل من مجرّد بقاءٍ إلى استثمار يعيد بناء ما تهدّم.

الإصلاح المصرفي الذي يُطالَب به لبنان ليس شرطاً خارجياً فحسب، بل هو الطريق الوحيد لتحويل شريان المغتربين من حبل نجاة موقّت إلى رافعة إعمار حقيقية.

خلاصة

صمد الحبل ستّ سنوات، لكنّه بدأ يهترئ. وحين تتراجع التحويلات يوماً، تحت وطأة أزمات العالم أو تشدّد رقابته، فإنّ أوّل من سيدفع الثمن هم الأضعف: عائلات الجنوب والأطراف التي اعتادت أن تنتظر، في آخر كلّ شهر، مالاً يأتي من بعيد ليقيها الجوع.