بعد ستّ سنواتٍ على انهيار 2019، ما زال لبنان عاجزاً عن الإجابة عن السؤال الأصعب: مَن يدفع فاتورة الانهيار؟ مشروع «قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع»، المعروف بقانون الفجوة المالية، ليس تمريناً محاسبياً بارداً، بل معركةُ عدالةٍ على من تقع الخسائر: على صغار المودعين الذين سُلبت مدّخراتهم، أم على المصارف ومن تسبّب بالانهيار.
خلف كل رقمٍ في هذا القانون وديعةٌ محتجزة، وعائلةٌ تنتظر منذ سنواتٍ أن تستعيد ما اعتقدت أنه في أمان.
فجوةٌ بعشرات المليارات
يهدف القانون إلى معالجة الفارق بين التزامات القطاع المالي، أي ودائع الناس، والأصول المتاحة لتغطيتها، وهي فجوةٌ تراكمت منذ الأزمة النقدية والمصرفية. أُحيل المشروع إلى مجلس النواب في التاسع والعشرين من كانون الأول 2025، وما زال قيد البحث والتعديل حتى خريف 2026، بحسب صحيفة المدن. الهدف المعلن: إعادة تنظيم توزيع الخسائر واستعادة الثقة المفقودة بالنظام المالي.
سقف المئة ألف: مَن يُحمى ومَن يُنسى
يحمي المشروع الودائع حتى سقف مئة ألف دولار، ويشطب رساميل المصارف، وفق ما نشرته صحيفة الأخبار. لكنّ دراسةً نقلتها صحيفة المرصد قدّرت أنّ سداد الودائع حتى هذا السقف يستلزم نحو 22 مليار دولار على أربع سنوات، فيما ستُعوَّض الودائع الأعلى بسنداتٍ تقلّ قيمتها السوقية كثيراً عن قيمتها الاسمية. وحذّرت الدراسة من خللٍ في توزيع الخسائر يهدّد ما تبقّى من حقوق المودعين.
معركة توزيع الخسائر
هنا يكمن جوهر الخلاف. فبينما تدفع المصارف نحو تحميل الدولة ومصرف لبنان الجزء الأكبر من الفجوة، تشير دراساتٌ إلى أنّ تسييل جزءٍ محدودٍ من الأصول لا يتجاوز عشرة مليارات دولار قد يسمح بسداد ودائع صغار المودعين فوراً، بدل تأجيلها سنواتٍ، وفق ما أوردته وكالة الأناضول مطلع 2026. السؤال ليس تقنياً فحسب: هل تُحمى المدّخرات الصغيرة أولاً، أم تُقدَّم مصالح من راكم الأرباح في زمن الازدهار الوهمي؟
صندوق النقد وشرطه
أُدرجت تعديلات صندوق النقد الدولي في المشروع بشكلٍ شبه كامل، غير أنّ خلافاً في المقاربات بقي قائماً بين الصندوق ومصرف لبنان حول آلية توزيع الخسائر واسترداد الودائع، بحسب صحيفة النهار. وانتقلت المفاوضات إلى واشنطن سعياً إلى اتفاقٍ على مستوى الموظفين، يُرجَّح أن يسبق إقرار القانون. بهذا يبقى مصير الوديعة اللبنانية معلّقاً بين طاولةٍ تشريعيةٍ في بيروت وأخرى تفاوضيةٍ في واشنطن.
المودع الصغير في قلب العاصفة
وراء المصطلحات الماليّة، هناك اللبناني العادي: الموظف المتقاعد الذي أودع تعويض عمره، والعائلة التي ادّخرت لتعليم أبنائها، والمغترب الذي أرسل جنى سنواته إلى بلده. هؤلاء لم يختاروا سياسات الهندسات الماليّة ولا الفوائد المرتفعة، لكنّهم دفعوا ثمنها. القانون الذي يُناقَش اليوم سيقرّر إن كانوا سيستعيدون حقّهم أم سيُطلب منهم تحمّل خسارةٍ لم يصنعوها.
خلاصة
ستّ سنواتٍ بعد الانهيار، يبقى قانون الفجوة المالية امتحاناً لأولويّات الدولة: هل تحمي أموال الناس أم ميزانيّات المصارف؟ من دون توزيعٍ عادلٍ للخسائر واتفاقٍ مع صندوق النقد، سيبقى صغار المودعين في قلب العاصفة، ينتظرون قراراً يتأخّر كلّ عام.





