لسنواتٍ بدت المحاسبة في لبنان شعاراً أكثر منها مساراً. أموالٌ تبخّرت، ودائع احتُجزت، ومسؤولون بقوا في مواقعهم. لكنّ الأسابيع الأخيرة تحمل مؤشراً مختلفاً: بعد توقيف حاكم مصرف لبنان الأسبق رياض سلامة، تبدو دائرة المحاسبة وكأنّها تتّسع لتقترب هذه المرّة من طاولة المصارف نفسها. السؤال الذي يطرحه اللبنانيون بحذر: هل هي بداية محاسبةٍ حقيقية، أم محطة جديدة تُضاف إلى سلسلة وعودٍ لم تكتمل؟
ماذا أعلن مصرف لبنان؟
أعلن مصرف لبنان، الأربعاء، أنّ شركة المحاسبات العالمية ألفاريز ومارسال باشرت مهمة تدقيق جنائي في عمليات مرتبطة بموجوداتٍ أجنبية تعود ملكيّتها إلى لبنان، منذ بدء الانهيار الاقتصادي أواخر عام 2019. وبحسب ما نقلته وكالة فرانس برس ووسائل إعلام لبنانية، يندرج القرار في إطار تدابير قانونية يتّخذها المصرف المركزي لتعزيز الشفافية والمساءلة والتدقيق في حساباته. وهي المهمة نفسها التي أفضى مسارها سابقاً إلى توقيف الحاكم الأسبق رياض سلامة، الذي ادّعى عليه النائب العام الاستئنافي في بيروت رجا حاموش بجرم مخالفة قانون النقد والتسليف.
من سلامة إلى طاولة المصارف
اللافت أنّ المسار لم يعد يقتصر على شخص الحاكم السابق. فبحسب ما أورده موقع درج، بدأ مصرف لبنان تزويد النيابة العامة المالية بأسماء رؤساء وأعضاء مجالس إدارات مصارف يُقال إنّهم حوّلوا أرصدتهم الخاصة إلى الخارج في الفترة التي كانت مصارفهم تحتجز خلالها ودائع أكثر من مليون لبناني احتجازاً غير قانوني. أي إنّ من كان يمنع المودع الصغير من سحب وديعته كان، وفق هذه الرواية، يُخرج أمواله هو إلى حساباتٍ آمنة في الخارج. ويقدّر الموقع أنّ هذا المسار قد يتيح استعادة نحو مليار دولار لمصلحة المودعين. مع ذلك، تبقى هذه المعطيات منسوبة إلى مصدرٍ إعلامي، والرقم تقديراً غير مؤكّد رسمياً، ولم تصدر بها لائحة اتهامٍ قضائية معلنة حتى الآن.
البعد المنسيّ: ودائع المليون
خلف الملفّ التقنيّ، جرحٌ اجتماعيّ عميق. أكثر من مليون مودع لبناني رأوا مدّخرات عمرهم تتجمّد بين ليلةٍ وضحاها، فيما كان القرار المصرفي يُغلق الأبواب في وجوههم. عائلاتٌ لم تستطع سحب ثمن علاجٍ أو قسطٍ مدرسيّ أو تعويض نهاية خدمة. هؤلاء هم الطرف الأضعف والأكثر تضرّراً، والأقلّ حضوراً في السجالات المالية الكبرى. أيّ مسار محاسبةٍ لا يضع إنصافهم في المقدّمة يبقى ناقصاً؛ فالعدالة المالية لا تُقاس بعدد الملفّات المفتوحة، بل بما يعود فعلاً إلى جيوب من خسروا.
حدود المسار: تحقيقٌ لا حكم
من الإنصاف أيضاً التمييز بين الخطوة ومداها. التدقيق الجنائي إجراءٌ تحقيقيّ يكشف الوقائع والأرقام، لكنّه ليس حكماً قضائياً بذاته. بين كشف الأسماء وبين إدانةٍ نهائية تُعيد الأموال، طريقٌ طويل مليء بالعقبات: بطء القضاء، الحصانات، الضغوط السياسية، وتعقيد تعقّب التحويلات عبر الحدود. التجارب السابقة علّمت اللبنانيين ألّا يبنوا آمالاً مفرطة على إعلانٍ واحد. الحذر هنا ليس تشاؤماً، بل درسٌ مستخلص من سنواتٍ من الوعود المعلّقة.
ما ينتظر
يبقى الاختبار الحقيقي في ما سيلي: هل تتحوّل نتائج التدقيق إلى ملفّاتٍ قضائية جدّية؟ هل تُكشف الأسماء رسمياً وتُلاحَق قانونياً بلا انتقائية؟ وهل يُترجَم ذلك يوماً إلى دولاراتٍ تعود إلى أصحابها؟ اتّساع دائرة المحاسبة من الحاكم السابق إلى المصارف مؤشرٌ مهمّ، لكنّه يبقى وعداً معلّقاً على التنفيذ. والمقياس الوحيد الذي يعني المودع في النهاية بسيط: هل يستعيد ماله، أم يبقى اسمه رقماً في ملفٍّ آخر لا يُغلق؟




