في جلسته مساء الخميس، أقرّ مجلس الوزراء مشروع قانون موازنة عام 2027 وأحاله إلى مجلس النواب ضمن المهل الدستورية. قُدِّمت الموازنة بوصفها محطة التعافي بعد سنواتٍ من الشلل وحربٍ مدمّرة. لكنّ أكبر الأرقام التي تنتظرها البلاد، كلفة إعادة إعمار ما هدمته الحرب ومعظمه في الجنوب والضاحية والبقاع، هي تحديداً ما غاب عن متن الموازنة. بالنسبة إلى عائلات الجنوب التي لم تعُد بعد إلى بيوتها، البند الغائب عن أرقام الدولة هو سقفها.

ثلاثة بنود غائبة

أوضح الخبير المصرفي والمالي الدكتور محمد فحيلي، في حديثٍ إلى موقع "لبنان24"، أن ثلاثة بنودٍ أساسية تغيب عن موازنة 2027: الدين العام، وحصة الدولة من الفجوة المالية، وكلفة إعادة الإعمار. ولفت إلى أن هذه الالتزامات قائمة سواء ظهرت في الأرقام أم لم تظهر، وأن إدراجها بالكامل كان سيُظهر "عجزاً دفترياً كبيراً".

وأضاف فحيلي أن الاقتصاد اللبناني، بوصفه اقتصاداً مُدولَراً، يقرأ الموازنة باعتبارها إشارة إلى مصادر التمويل. وحين يظهر عجزٌ هائل في بلدٍ عاجزٍ عن الاقتراض من الأسواق، يُطرح السؤال عمّن يموّله، و"الجواب الظاهر الوحيد" هو المصرف المركزي، أي اللجوء إلى طبع العملة، وهو ما قد يحرّك سعر الصرف حتى قبل طبع ليرةٍ واحدة.

التزاماتٌ لا تزول بالحذف

وفق فحيلي، لم تُحسم هذه البنود بعد: لم يُقرّ قانون الفجوة المالية، ولم تُنجز إعادة هيكلة الدين العام، ولم تتّضح نهائياً مصادر تمويل إعادة الإعمار. حذف هذه الأرقام قد يشكّل "مبرراً مؤقتاً"، لكنه لا يصلح سياسةً دائمة، لأن "الالتزام لا يزول بمجرد حذفه من الأرقام". ودعا الخبير إلى إطارٍ ماليٍّ متوسط الأجل يوضح مسارات الدين والفجوة وكلفة الإعمار وجداولها الزمنية، محذّراً من أن يتحوّل الوقت الذي تسعى الحكومة إلى كسبه إلى "وقتٍ ضائع".

لا تمويل من دون ثقة

منطق تأجيل الرقم ينسجم مع خطاب الحكومة نفسها. ففي جلسة المساءلة النيابية، قدّر رئيس الحكومة نواف سلام خسائر الحرب بنحو 14 مليار دولار، وأقرّ بأن "حجم الدمار أكبر بكثير من قدرة الدولة بمواردها الحالية على تحمّله وحدها". وربط التعافي بالخارج والإصلاح معاً: "لا إعادة إعمار مستدامة من دون تمويل، ولا تمويل من دون ثقة، ولا ثقة من دون دولةٍ قادرة"، والدولة القادرة، بحسبه، تتطلب الإصلاح. بهذا المعنى، تُحيل الموازنة كلفة الإعمار إلى خارج حدودها: إلى المانحين وإلى شروط الإصلاح.

مسارٌ ماليّ تحت الأنظار

وبحسب تقارير، تعمل واشنطن مع الحكومة اللبنانية ودولٍ مانحة على إعداد مسارٍ ماليّ لإعادة إعمار الجنوب يضع التمويل الدولي تحت إدارة مؤسسات الدولة. وكان صندوق النقد الدولي قد أكّد مطلع تشرين الأول/أكتوبر أن لبنان يحتاج إلى مواصلة الإصلاحات، بينها دخول قانون معالجة أوضاع المصارف حيّز التنفيذ، وإقرار موازنة 2027، وإعداد إطارٍ ماليٍّ متوسط الأجل. أي أن إعمار الجنوب بات معلّقاً على مسارٍ خارجيٍّ مشروطٍ بالإصلاح، لا على بندٍ في موازنة الدولة.

الجنوب ينتظر

على الأرض، تختصر القرى المدمّرة المسافة بين الرقم والبيت. عائلاتٌ عادت إلى الركام من دون ماءٍ أو كهرباء، وبلداتٌ ما زال أهلها ينتظرون دفعات التعويض. وبحسب صحيفة "اللواء"، فإن الاختبار الحقيقي لجدية الدولة تجاه الجنوب هو تضمين موازنة 2027 دعماً فعلياً لإعادة الإعمار، وهو مطلبٌ "يجب ألا يتأخر"، فيما تُربط زيارة رئيس الجمهورية المرتقبة إلى الجنوب بهذا الاستحقاق. حين تغيب الكلفة عن الورق، يبقى غيابها محسوساً في السقوف التي لم تُبنَ بعد.

خلاصة

تكسب الموازنة وقتاً بتأجيل الرقم الأصعب، لكنّ الالتزام قائمٌ خارج الجدول. والسؤال الذي يطرحه الخبراء ليس تقنياً فحسب: إلى متى يبقى إعمار الجنوب بنداً مؤجلاً في موازنات الدولة ومساراً معلّقاً على المانحين؟ فلكلّ فصل تأجيلٍ ثمنٌ يدفعه من ينتظر عودته إلى بيته، شتاءً بعد شتاء.