في العمل الاستخباري، تقول الزيارات أحياناً ما لا تقوله البيانات. حين ينتقل رئيس أقوى جهاز استخبارات في العالم إلى عاصمة الخصم من دون إعلان مسبق، فذلك بحدّ ذاته رسالة، حتى قبل أن يُعرف مضمون ما قيل خلف الأبواب المغلقة. هذا ما حصل هذا الأسبوع حين حطّ مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية جون راتكليف في موسكو، في زيارة وصفتها كبريات الصحف الغربية بأنها نادرة واستثنائية.
الزيارة ليست تفصيلاً بروتوكولياً. إنها من الطراز الذي يُدار عادةً في الظلّ، ويُكشف عنه بالقطّارة، ويُقرأ لاحقاً على ضوء ما يترتّب عليه. وبالنسبة إلى قارئ عربيّ ولبنانيّ، فإنّ ما يجري في غرفة مغلقة بين واشنطن وموسكو لا يبقى بعيداً؛ فخيوطه تمرّ، كعادتها، فوق رؤوس شعوب المنطقة.
ماذا نعرف عن الزيارة؟
تقاطعت تقارير عدد من كبريات وسائل الإعلام الأميركية والبريطانية على أنّ راتكليف قام بزيارة غير معلنة إلى موسكو مطلع هذا الأسبوع، من بينها "واشنطن بوست" و"سي إن إن" و"غارديان" و"إن بي سي". ووفق ما نقلته صحيفة "غارديان"، رُصدت طائرة نقل عسكرية من طراز "سي-17" أقلعت من قاعدة أندروز الجوية قرب واشنطن ووصلت إلى موسكو عبر مسار مرّ بلاتفيا، كما شوهد موكب دبلوماسي أميركي في العاصمة الروسية.
الأهمّ أنّ هذه تُعدّ أوّل زيارة معروفة لمدير الـCIA إلى روسيا منذ سنوات، والأولى من نوعها في ظلّ الإدارة الحالية. ولم يصدر عن وكالة الاستخبارات ولا عن البيت الأبيض ولا عن الكرملين أيّ تعليق رسمي يؤكّد فحوى المحادثات أو ينفيها، وهو صمتٌ يزيد الزيارة غموضاً بقدر ما يزيدها دلالة.
لماذا الآن؟ حرب أوكرانيا في الخلفية
لا تُقرأ الزيارة بمعزل عن لحظتها. تأتي فيما تتعثّر مساعي التسوية في أوكرانيا، وفيما تتصاعد الضربات الأوكرانية العميقة داخل الأراضي الروسية. وفي هذا السياق، ذكرت صحيفة "فاينانشال تايمز" أنّ الإدارة الأميركية طلبت من كييف تعليق ضرباتها البعيدة المدى على المدن الروسية الكبرى خلال فترة الزيارة، في مؤشّر إلى أنّ التحرّك جزء من محاولة لضبط التصعيد وإبقاء قناة اتصال مفتوحة.
هذا النمط ليس جديداً على الوكالة. فالـCIA لعبت في السنوات الأخيرة دور القناة الخلفية حين تتوقّف الدبلوماسية العلنية، وتولّت التمهيد لصفقات حسّاسة، من بينها عمليات تبادل محتجزين بين واشنطن وموسكو. حين تصمت المنابر الرسمية، يُفتح خطّ الاستخبارات.
خيط طهران: حين تُناقَش المنطقة بعيداً عنها
هنا يصبح الخبر شأناً يخصّنا. تحدّثت تقارير صحفية أميركية عن أنّ جدول المحادثات لم يقتصر على أوكرانيا، بل شمل ملفّات أوسع في مقدّمتها العلاقة الروسية-الإيرانية. فموسكو تبقى داعماً أساسياً لطهران على المستويين العسكري والدبلوماسي، وأيّ تفاهم أميركي-روسي حول أوكرانيا يفتح تلقائياً باب المقايضة على ملفّات أخرى، بينها موقع إيران.
يتقاطع ذلك مع تحرّك أميركي متوازٍ: فقد أعلن وزير الخزانة الأميركي مطلع هذا الأسبوع حزمة عقوبات جديدة تستهدف تشديد عزل إيران اقتصادياً. وهكذا تتقدّم واشنطن على مسارين في آنٍ واحد؛ ضغط مباشر على طهران، وحوار غير معلن مع حاميها الروسي.
بالنسبة إلى شعوب المشرق، هذا هو جوهر المسألة: أنّ مصير المنطقة، من لبنان إلى غزّة إلى اليمن، كثيراً ما يُبحث في غرفٍ مغلقة بين عواصم الكبار، حيث تُوزَّن مصالح الدول لا أرواح الناس. تُرسم الخطوط في موسكو وواشنطن، ويُدفع الثمن على ضفاف المتوسّط.
سابقة بيرنز 2021: حين تتكلّم الاستخبارات
للتاريخ حضوره هنا. آخر زيارة مماثلة لمدير الـCIA إلى موسكو كانت أواخر عام 2021، حين توجّه ويليام بيرنز إلى الكرملين حاملاً تحذيراً من حشود عسكرية روسية على حدود أوكرانيا، قبل أشهر من اندلاع الحرب. لم يمنع ذلك اللقاء الغزو، لكنه بقي علامة على أنّ خطّ الاستخبارات يُفتح عند المنعطفات الكبرى، حين يُراد قول ما لا يُقال علناً.
استعادة تلك السابقة لا تعني تكرار السيناريو، لكنها تذكّر بأنّ زيارة من هذا الوزن نادراً ما تكون مجاملة. إنها إمّا تحذير، وإمّا تمهيد لتسوية، وإمّا الاثنان معاً.
ما لا نعرفه: حدود المعلوم
تقتضي الأمانة القول إنّ الكثير يبقى في دائرة المجهول. لا محضر رسمياً للقاء، ولا تأكيد لمضمون ما جرى، ولا تعليق من الأطراف الثلاثة. ما تداولته الصحف عن جدول الأعمال يبقى في خانة التقدير المستند إلى مصادر لم تُكشف هويتها، لا في خانة الحقائق المثبتة. والحكمة تقضي بالتمييز بين ما تأكّد -وهو أنّ الزيارة حصلت- وبين ما يُقال عن دوافعها وتفاصيلها.
يبقى أنّ حدثاً بهذا الحجم لا يمرّ عابراً. رئيس استخبارات القوة الأعظم يذهب إلى عاصمة الخصم في لحظة حرب مفتوحة، فيترك خلفه أكثر ممّا يقول. وحين تتّضح الصورة، سيكون قد فعل فعله أصلاً. علينا أن نراقب، لا أن نُخمّن؛ وأن نتذكّر أنّ ما يُبحث هناك، يصلنا صداه هنا.





