يُعاد اليوم رسم خرائط الطاقة والتجارة في المشرق العربي، وتلوح أمام العراق وسوريا ولبنان فرصة نادرة: أن يتحوّل موقعها الجغرافي من ساحة لتقاطع النفوذ والصراع إلى شبكة استراتيجية للنفط والتجارة والنقل والاتصالات، تصل الخليج بالبحر المتوسط وأوروبا. غير أنّ السؤال الأعمق لا يتعلق بقدرة الخرائط على رسم الممرّات، بل بقدرة الدول على حمايتها وإدارتها. فالممرّ الاقتصادي لا يعيش بالأنابيب والسكك والمرافئ وحدها، بل يحتاج إلى سلطة شرعية وأمن مستقرّ ومؤسسات قادرة على تحويل العبور إلى ثروة وطنية.
من ساحة صراع إلى شبكة عبور
يدفع اضطراب مضيق هرمز، الشريان الأضيق لتصدير نفط الخليج، العراق إلى البحث عن طرق بديلة لتصريف خامه. تُطرح خيارات عبر تركيا والأردن، وصولاً إلى مشروع أكثر طموحاً لنقل النفط غرباً عبر الأراضي العراقية والسورية إلى ساحل المتوسط. وتشير تقديرات أوردها الباحث ريناد منصور، نائب مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ومدير مبادرة العراق في معهد تشاتام هاوس البريطاني، في قراءة نُشرت في 25 أيلول/سبتمبر 2026، إلى كلفة تقارب 15 مليار دولار لهذا المشروع، بطاقة أوّلية تبلغ نحو مليوني برميل يومياً.
هذه الأرقام تختصر حجم الرهان: خطّ طاقة يعيد وصل حقول الخليج بأسواق أوروبا، ويمنح دول العبور موقعاً لا يُستهان به في اقتصاد الطاقة العالمي. لكنّ الخريطة، مهما بدت مغرية، تبقى حبراً على ورق ما لم تُسندها دولةٌ قادرة.
الفجوة بين الطموح والواقع
أهمية هذه القراءة لا تكمن في المشاريع والأرقام وحدها، بل في ما تكشفه من فجوة عميقة بين الطموح الاقتصادي والواقع السياسي. فالممرّ الذي يُرسم على الورق يصطدم في الميدان بحجر عثرة واحد: السيادة، وقدرة الدولة على فرض الأمن وحماية البنية التحتية وتحويل رسوم العبور إلى مورد عام مستدام.
وبحسب قراءة نشرتها صحيفة "النهار"، فإنّ هذه الفجوة لا تخصّ العراق وحده، بل تمتدّ إلى سوريا ولبنان. فالدول الثلاث تملك الموقع، لكنّها تفتقر إلى ما هو أصعب من الجغرافيا: مؤسّسات موحّدة، وقرار مركزي نافذ، وأمن لا ترهنه قوى الأمر الواقع أو التدخّلات الخارجية.
لبنان على هامش الخريطة
في هذا المشهد، يقف لبنان على الهامش أكثر مما يقف في القلب. فمرفأ بيروت، الذي يُفترض أن يكون بوابة طبيعية إلى المتوسط، لا يزال يحمل ندوب انفجار 2020 وعجز الدولة عن إعادة بنائه ضمن رؤية اقتصادية واضحة. وأيّ حديث عن دور لبناني في ممرّات الطاقة والتجارة يظلّ نظرياً ما دامت الدولة عاجزة عن بسط سلطتها الكاملة وضمان استقرار يطمئن المستثمرين.
الفرصة الإقليمية تكشف، بمعنى ما، هشاشة الداخل: فحين تُرسم الممرّات الكبرى، تُقصى الدول التي لا تملك قرارها الموحّد، ويُدفع ثمن الغياب من فرص أجيال بأكملها.
من يحمي الممرّ؟
يبقى السؤال المركزي: من يحمي الممرّ ويديره؟ الاستثمار في الأنابيب والسكك سهل نسبياً أمام رأس المال الإقليمي والدولي، لكنّ ضمان أمنه على امتداد مئات الكيلومترات، عبر مناطق متنازع على نفوذها، هو الاختبار الحقيقي. ومن دون سلطة شرعية تحتكر القرار الأمني والاقتصادي، يتحوّل أيّ ممرّ من فرصة ثروة إلى ساحة ابتزاز جديدة.
خلاصة
المشرق أمام لحظة نادرة قد لا تتكرّر: إمّا أن يلتقط دوله فرصة العبور فيحوّلوا الجغرافيا إلى ثروة، وإمّا أن تبقى الخرائط الطموحة أسيرة واقعٍ سياسيّ مأزوم. والعبرة التي تتردّد في قراءات مراكز الأبحاث واحدة: لا ممرّ من دون دولة، ولا ثروة من دون سيادة.




