بعد عامٍ كامل على القمة التي ترأّسها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في الأمم المتحدة وموجة الاعترافات الغربية التي رفعت عدد الدول المعترفة بفلسطين إلى نحو 157 دولة، يبدو حلم الدولة الفلسطينية أبعد منالاً من أي وقت مضى. ومع افتتاح الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة هذا الأسبوع في نيويورك، جاء قرار واشنطن بمنع الرئيس محمود عباس من الحضور للعام الثاني على التوالي ليكثّف المفارقة: اعترافٌ دبلوماسي واسع في القاعات، وواقعٌ مغلق على الأرض.
عامٌ على قمة الاعتراف
في 22 أيلول 2025، ترأّس ماكرون قمة خاصة في الأمم المتحدة للاعتراف بدولة فلسطين، في ذروة الغضب العالمي من الحرب المدمّرة على غزة. يومها أعلنت نحو عشر دول، بينها كندا وأستراليا، اعترافها بالدولة الفلسطينية، ما رفع العدد الإجمالي إلى ما يقارب 157 دولة، أي أكثر من أربعة أخماس أعضاء المنظمة الدولية. وكانت 142 دولة قد أيّدت نتائج مؤتمر دولي حول حل الدولتين ترأسته فرنسا والسعودية بشكل مشترك.
لكن هذا الزخم الدبلوماسي اصطدم بجدار الرفض الإسرائيلي القاطع، المدعوم أميركياً. فرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو اعتبر أن قيام دولة فلسطينية سيكون «مكافأة على الإرهاب»، وقال الشهر الماضي إنه «طالما بقي رئيساً للحكومة، لن تُقام دولة فلسطينية»، لا في غزة ولا في الضفة الغربية.
واشنطن تغلق الباب في وجه عباس
رفضت الولايات المتحدة، للعام الثاني على التوالي، منح عباس تأشيرة دخول للمشاركة حضورياً في أعمال الجمعية العامة، بعد أن مدّدت وزارة الخارجية الأميركية القيود المفروضة على تأشيرات مسؤولي منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية. وبرّرت واشنطن قرارها باتهامات للقيادة الفلسطينية، من بينها اللجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية، والسعي إلى اعتراف دولي بالدولة خارج إطار المفاوضات المباشرة، وممارسات تقول إنها «تقوّض آفاق السلام».
نتيجةً لذلك، يُرجّح أن يلقي عباس كلمته أمام الجمعية عبر الشاشة، كما حصل العام الماضي. والسلطة الفلسطينية تتمتع بصفة دولة مراقب في الأمم المتحدة، من دون حق التصويت. وفي مواجهة الخطوة الأميركية، اعتمدت الجمعية العامة قراراً يسمح لفلسطين بالمشاركة في المداولات العامة للدورة عن بُعد، فيما طالبت أكثر من 150 دولة، وفق ما نقلته وسائل إعلام، واشنطن بالتراجع عن منع الوفد الفلسطيني.
اعترافٌ بلا أثرٍ على الأرض
على الأرض، لا يبدو أن الاعترافات غيّرت شيئاً. فبينما توسّع حكومة نتنياهو اليمينية الاستيطان في الضفة الغربية بوتيرة يصفها مراقبون بغير المسبوقة، يتصاعد عنف المستوطنين وتتقلّص مساحة العيش أمام الفلسطينيين، وسط تحذيرات من ضمٍّ فعليٍّ للضفة بحكم الأمر الواقع.
يقول وكيل وزارة الخارجية الفلسطينية عمر عوض الله، في تصريحات نقلتها وكالة فرانس برس، إن «الاعتراف يجعل حل الدولتين واقعاً سياسياً ودبلوماسياً، لكنه على الأرض يبقى رهيناً بالسلوك غير القانوني لإسرائيل التي لا تنفّذ القرارات الدولية». أما المحللة الفلسطينية إيناس عبد الرازق فترى أن الاعتراف «لا يساوي الكثير من دون تدابير تواجه الأفعال الإسرائيلية»، معتبرةً أن حل الدولتين «تحوّل إلى لازمة دبلوماسية لتجنّب مواجهة الواقع».
حين يتخلّف التطبيق عن الشرعية
المشهد الفلسطيني يعيد إلى الأذهان معادلة يعرفها لبنان جيداً: شرعيةٌ دولية وقراراتٌ وبيانات في مكانٍ، وقوةٌ ميدانية تفرض وقائعها في مكانٍ آخر. فكما تصطدم قرارات الاعتراف بالدولة الفلسطينية بجدار الاحتلال، يصطدم انتشار الجيش اللبناني جنوباً وقرارات مجلس الأمن باستمرار الغارات والتوغّلات الإسرائيلية.
الاعتراف بالدولة خطوةٌ ضرورية، لكنه يبقى ناقصاً ما لم يقترن بأدوات تُلزم إسرائيل بوقف الاستيطان والاحتلال. وبين قاعات نيويورك وتلال الضفة، يبقى السؤال معلّقاً: ما جدوى شرعيةٍ دولية لا تجد من ينفّذها على الأرض؟





