في العواصم، تُرسَم خرائط التفاوض على الورق. في الجنوب، تُرسَم على أجساد الناس وبيوتهم. بينما تتقاسم روما وفلوريدا مسارَي التفاوض اللبناني-الإسرائيلي، يُترَك جنوب لبنان تحت نار لا تنتظر نتائج الطاولة، بل تنتظر صناديق الاقتراع في تل أبيب.

طاولة مقسومة بين روما وفلوريدا

نقلت صحيفة "ذا ناشيونال" عن مصادر مطّلعة أن الجولة المقبلة من المفاوضات المباشرة برعاية أميركية يُتوقَّع أن تُقسَم بين مدينتين: مسار سياسي يتواصل في روما، ولقاءات عسكرية منفصلة بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي في فلوريدا. الرسالة الأبرز في كلام المصادر ليست في الجغرافيا، بل في التوقيت: لا خرق منتظَراً قبل إجراء الانتخابات الإسرائيلية الشهر المقبل.

وبحسب الإطار الذي ترعاه واشنطن، يُفترض أن تُنشأ "مناطق تجريبية" في نقاط محدّدة تقود تباعاً إلى انسحاب إسرائيلي ونزع سلاح حزب الله وبسط سلطة الجيش اللبناني، وصولاً إلى سيطرة لبنانية حصرية على كامل الأراضي. لكنّ هذا الملف بالذات، وفق المصادر نفسها، مجمَّد عملياً حتى نهاية تشرين الأول.

"كل شيء انتخابات"

نقلت الصحيفة عن مسؤول لبناني قوله بمرارة: "لا يريدون بحث المناطق التجريبية من الآن حتى نهاية تشرين، بسبب الانتخابات. كل شيء انتخابات، انتخابات". في هذا التوصيف اختصارٌ لمنطق كامل: أجندة الداخل الإسرائيلي هي التي تحدّد إيقاع النار على الجنوب، لا وقائع الميدان ولا مآسي المدنيين.

وأبدى المسؤول تشاؤمه من أن تضغط واشنطن على إسرائيل لوقف تصعيدها، معتبراً أنها "تترك الإسرائيليين وشأنهم" حتى انقضاء موسم الانتخابات. بهذا المعنى، لا يبدو الجنوب طرفاً في الحسابات بقدر ما هو ساحة مفتوحة لتصريفها.

الجنوب يدفع الثمن

بين السبت والاثنين، دفع أهل الجنوب فاتورة هذا الانتظار. أفادت صحيفة "الشرق الأوسط" نقلاً عن مصادر رسمية بأن ثلاثة أيام من الغارات والقصف المدفعي أوقعت ما لا يقلّ عن ثمانية وعشرين شهيداً وعشرات الجرحى، ونزوح مئات العائلات من النبطية وجوارها. وكانت الذروة في مجزرة كفررمان حيث ارتقى اثنا عشر شهيداً بينهم رضيعان ومسعفان، حين استُهدف مبنى سكني وسيارة إسعاف.

يوم الثلاثاء، هدأت وتيرة الغارات. لم تُسجَّل ضربات جوية بعد ظهر ذلك اليوم، وإن حلّقت المسيّرات فوق بيروت وضاحيتها والجنوب، فيما بدأت العائلات تعود تدريجياً إلى بلداتها. لكنّ الهدوء لم يكن كاملاً: نفّذ الاحتلال تفجيراً في بلدة المنصوري جنوب صور، وتوغّلت وحدة إسرائيلية ليلاً عند أطراف كفرشوبا ورفعت علماً على أحد التلال.

لبنان "محاصر" في الإطار الأميركي

وفق "الشرق الأوسط"، عزت مصادر وزارية قريبة من الرئاسة تراجع التصعيد الثلاثاء إلى "اتصالات مكثّفة" أجراها الرئيس جوزاف عون مع الجانب الأميركي للضغط على إسرائيل، شملت السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى وسفيرة لبنان في واشنطن ندى حمادة معوّض. وكان عون قد حذّر الاثنين من أن الاعتداءات "لن تجلب الأمن للمدنيين على الحدود"، وأنها تستهدف مسار "الاتفاق الإطار"، متسائلاً: "هل تريد إسرائيل السلام أم الحرب؟".

غير أنّ هامش بيروت يبقى ضيقاً. تصف المصادر اللبنانية شعوراً متنامياً بأن لبنان بات "محاصراً" داخل إطار التفاوض الأميركي، بلا قدرة تُذكر على إدخال شركاء دوليين. فمحاولات إشراك فرنسا، الحليف التاريخي، اصطدمت باعتراض إسرائيلي. ومع ذلك، لا يرى لبنان بديلاً عن الاستمرار في المسار، لأنّ واشنطن تبقى القناة الوحيدة القادرة نظرياً على كبح الاندفاعة الإسرائيلية.

مطالب لبنان في المفاوضات معروفة: وقف إطلاق نار، وانسحاب إسرائيلي من الأراضي المحتلة، وإعادة الأسرى. أما موعد الجولة الثامنة فتنتظره بيروت من واشنطن قبل نهاية الأسبوع، على أن تُعقد لاحقاً هذا الشهر.

ما بعد الطاولة

حين يصبح رزنامة الانتخابات الإسرائيلية هي التي تضبط منسوب النار، يتحوّل الوقت نفسه إلى سلاح. كل أسبوع تأجيل هو أسبوع إضافي من القصف والتفجير والنزوح في قرى لم تُستشَر يوماً في حسابات تل أبيب ولا في مساومات العواصم. تبقى "المهمّة" على متابعة مسار التفاوض وحصيلته الميدانية، بالأرقام الرسمية والمصادر الموثّقة، بعيداً عن التهويل أو التسويق.