مع اقتراب نهاية العام، يدخل جنوب لبنان مرحلة مفصلية: ولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة (اليونيفيل) تنتهي نهائياً في الحادي والثلاثين من كانون الأول/ديسمبر 2026، على أن يبدأ بعدها انسحاب تدريجي يكتمل خلال عام. تنسحب القبعات الزرق من أرضٍ لا تزال تحت النار والاحتلال، فيما يراهن لبنان الرسمي على الدبلوماسية في نيويورك لتفادي فراغٍ أمني يترك سكان الجنوب وحدهم في مواجهة المجهول.
نهاية ولاية عمرها نصف قرن
في الثامن والعشرين من آب/أغسطس 2025، تبنّى مجلس الأمن الدولي بالإجماع القرار 2790 الذي مدّد ولاية اليونيفيل «للمرة الأخيرة» حتى نهاية 2026، ووجّه البعثة إلى بدء تقليصٍ منظّم وانسحابٍ كامل اعتباراً من ذلك التاريخ و«خلال عام». وبحسب تقارير مجلس الأمن، فإنّ الولايات المتحدة هي التي فرضت تحديد موعدٍ نهائيّ لإنهاء المهمة، ملوّحةً باستخدام الفيتو ضدّ التجديد ما لم يتضمّن تاريخاً صريحاً، في حين لم يسعَ أيٌّ من الأعضاء الأربعة عشر الآخرين في المجلس إلى إغلاق البعثة.
اليونيفيل، المنتشرة في الجنوب منذ عام 1978، تُعدّ من أطول بعثات حفظ السلام الأممية. وقد طلبت فرنسا، حاملة القلم في ملف لبنان داخل المجلس، مشاورات مغلقة في ضوء تدهور الوضع جنوباً وللبدء في بحث الترتيبات الممكنة لما بعد اليونيفيل.
جنوبٌ تحت النار
لا تأتي هذه النهاية في زمن هدوء. فمنذ الثاني من آذار/مارس، تصاعدت العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان إلى مستوياتٍ غير مسبوقة. وبحسب أحدث تقرير للأمين العام للأمم المتحدة عن تنفيذ القرار 1701 (حتى العشرين من حزيران/يونيو)، سقط أكثر من 4100 شهيد جراء العمليات الإسرائيلية منذ ذلك التاريخ، بينهم 386 امرأة و252 طفلاً، إضافةً إلى 33 عنصراً من الجيش اللبناني. وذكر التقرير مقتل ثلاثة مدنيين إسرائيليين على الأقل و36 جندياً إسرائيلياً في المقابل.
خلال هذه المواجهات، توغّلت القوات الإسرائيلية في عمقٍ يصل إلى نحو عشرة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، ولا تزال تحتفظ بمواقع في نقاطٍ عدة. وفي حزيران/يونيو، وقّع لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة «إطاراً ثلاثياً» يُفترض أن يرسم طريقاً لإنهاء التصعيد، غير أنّ الغارات والقصف على قرى الجنوب لم تتوقف، بل تكاد لا يمرّ يومٌ من دون تسجيل خروقات جديدة.
هل يملأ الجيش اللبناني الفراغ؟
السؤال الأصعب يتعلّق بمن يرث مواقع اليونيفيل ومهامها. فالخطة تقضي بتسليم هذه المواقع تدريجياً إلى الجيش اللبناني، لكنّ المؤسسة العسكرية تعاني نقصاً مزمناً في العديد والعتاد، وتتحمّل أصلاً عبء الانتشار في منطقةٍ ملتهبة. وقد عبّر مسؤولون أمميون، بينهم وكيل الأمين العام لعمليات السلام جان بيار لاكروا، عن قلقهم إزاء لوجستيات الانسحاب وضمان انتقالٍ سلس يحول دون ترك الجنوب في فراغ.
في هذا السياق، جاء تسلّم الجيش اللبناني سبعين حاوية من الذخائر الأميركية عبر مرفأ بيروت، وهو ما وصفته قيادة الجيش بأنّه ذو «أهمية خاصة في المرحلة الراهنة». لكنّ الدعم بالعتاد وحده لا يكفي لسدّ فجوةٍ ستتركها بعثةٌ يبلغ قوامها آلاف الجنود.
رهان الدبلوماسية في نيويورك
على وقع هذا العدّ التنازلي، تتّجه الأنظار إلى نيويورك حيث تنعقد الجمعية العامة للأمم المتحدة. ويعوّل لبنان الرسمي على لقاءٍ يجمع رئيس الحكومة نواف سلام بوزير الخارجية الأميركي، بحسب ما نقلت صحيفة «الشرق الأوسط»، لبحث ملف الجنوب ومستقبل الترتيبات الأمنية بعد رحيل اليونيفيل. الرهان اللبناني واضح: انتزاع ضماناتٍ تمنع تحوّل الانسحاب الأممي إلى فراغٍ يملؤه مزيدٌ من التصعيد.
بين قرارٍ دوليٍّ حسم موعد الرحيل، واحتلالٍ لم يرحل، وجيشٍ يُطلب منه ما يفوق قدراته، يبقى أهل الجنوب هم من يقفون في الخطّ الأول. هم الذين عاشوا عقوداً في ظلّ الحرب والانتظار، ويُطلب منهم اليوم أن ينتظروا مجدداً جواباً عن سؤالٍ بسيط: من يحمي أرضهم حين تُطوى صفحة القبعات الزرق؟





