على تلّة تشرف على بلدة زوطر الشرقية في قضاء النبطية، تقف "أم رامي" تتأمل ما بقي من أرضٍ كانت مصدر رزق عائلتها على مدى عقود. المشهد الذي نقلته الجزيرة من الجنوب اللبناني يختصر معركةً تدور بعيداً من عناوين الغارات اليومية: العدوان لا يطاول البشر والحجر فحسب، بل يطاول التربة والزيتون والمياه الجوفية. إنها حرب الأرض المحروقة، وآثارها قد تمتد سنوات.
حين تصبح الأرض هدفاً
تتحدث المعطيات الميدانية عن كثافة تدمير غير مسبوقة. فبحسب تقرير الجزيرة، سُجّل أكثر من أربعين تفجيراً في يوم واحد على بلدة متاخمة لمجدل زون المحتلة، فيما استخدم الجيش الإسرائيلي نحو 1100 طن من المتفجرات بذريعة نسف بنى يقول إنها تابعة لحزب الله في أنفاق تلة علي الطاهر المشرفة على النبطية، ومحيط قلعة الشقيف ومواقع أخرى، محدثاً في كل مرة ما يشبه الزلزال.
ولا يقف الأثر عند القرى الحدودية. ففي قضاء صور، ينظر أهالي بلدة المنصوري والقرى المجاورة بذهول إلى تحولات طالت أراضيهم، فيما تواصل المسيّرات إلقاء غالونات محمّلة بمواد شديدة الانفجار فوق ما تبقى من أبنية. ويقدّر أحد الأهالي، في التقرير نفسه، أن 70 إلى 80% من البيوت دُمّرت بشكل ممنهج، إلى جانب حرق الأراضي الزراعية وبساتين الليمون.
الفوسفور الأبيض: نارٌ ثم سؤالٌ عن التربة
يحضر الفوسفور الأبيض في قلب هذه المعركة. فقد وثّقت منظمة "هيومن رايتس ووتش" استخدام الجيش الإسرائيلي ذخائر تحتوي عليه في 17 بلدية على الأقل في جنوب لبنان بين تشرين الأول 2023 وأيار 2024، بينها بلدات استُخدمت فوقها ذخائر تنفجر جواً فوق مناطق مأهولة. وفي الثالث من آذار 2026، وثّقت المنظمة مجدداً استخدام ذخائر فوسفورية منفجرة جواً فوق منطقة سكنية في بلدة يحمر الجنوبية، وتحققت من صور أظهرت حرائق في منازل وسيارة.
ولا تقتصر مخاطر هذه المادة على اللحظة. توضح منظمة الصحة العالمية أن التعرض المباشر للفوسفور الأبيض يسبب حروقاً عميقة، وأن الأبخرة الناتجة عن احتراقه تؤذي العينين والجهاز التنفسي. لكن السؤال الذي بقي معلّقاً لدى الأهالي، كما ترصده تحقيقات ميدانية، مختلف: ماذا يبقى في التربة بعد أن تنطفئ النار؟
بساتين تحترق وأشجار تُقتلع
الخسارة الأوضح هي في الشجر. فإلى جانب الحرائق التي التهمت مساحات من الأحراج وبساتين الزيتون والحمضيات، وثّقت تقارير صحافية في صيف 2026 اقتلاع نحو 600 شجرة زيتون معمّرة في زوطر الشرقية، تعود ملكيتها لعائلات من البلدة. أما منظمة العفو الدولية فحلّلت صوراً من الأقمار الاصطناعية أظهرت تضرر مساحات واسعة من البساتين، من بينها نحو 133 فداناً في كفركلا، إلى جانب دمار كثيف في النسيج المبني، بعد العمليات البرية التي أعقبت تصعيد أيلول 2024.
اقتلاع شجرة زيتون معمّرة ليس خسارة موسم واحد. إنه محو لعقودٍ من عمر الأرض، ولعلاقةٍ بين عائلة وحقلها لا تُستعاد بالغرس السريع.
نظامٌ بيئيّ واقتصادٌ مصابان معاً
يقرأ الدكتور رامي زريق، الأستاذ في الجامعة الأميركية في بيروت، ما يجري عبر مفهوم "النظام الاجتماعي - الإيكولوجي": الشبكة التي تربط السكان بالتربة والمياه والغطاء النباتي والإنتاج. الحرب، بحسبه، لا تصيب كل عنصر على حدة فحسب، بل تصيب العلاقات بينها؛ فقد تبقى التربة والشجرة والطريق قائمة، فيما ينهار النظام الذي كان يصل بينها وبين الناس. ولا يحتاج المزارع إلى خسارة أرضه عقارياً كي يفقد القدرة على الاستفادة منها: يكفي أن يصبح الوصول إليها خطراً، أو أن تحترق أشجارها، أو أن يتوقف الإنتاج موسماً بعد موسم.
على المستوى البيئي، يحذّر الخبير يوسف حمزة، في تقرير الجزيرة الميداني، من أن تداعيات التفجيرات "ستقتل البيئة" خلال أربع سنوات مقبلة، مشيراً إلى أن التفجيرات المتكررة والضخمة تكسر الطبقات الصخرية ومجاري الينابيع وتغيّرها، وتقتل الحياة البرية. والجنوب، حيث تشكل الزراعة مصدر الرزق الأول لغالبية السكان، هو الأكثر عرضة لهذا الأذى المزدوج.
أرضٌ محروقة وأفقٌ مثقل
تتقاطع الشهادات على أن سياسة الأرض المحروقة غيّرت معالم القرى الجغرافية والبيئية، وعزلت البلدات المحتلة، وتركت آثاراً ستمتد على الطبيعة والمياه الجوفية سنوات طويلة. وتشير المعطيات إلى أن استمرار التفجيرات وعمليات النسف بات عائقاً أمام أي تقدم في مسار التفاوض المتصل باتفاق الإطار الموقّع في 26 حزيران 2026.
ومنذ الثاني من آذار الماضي، أدت الهجمات الإسرائيلية إلى استشهاد ما لا يقل عن 4386 شخصاً وإصابة 12 ألفاً و407 آخرين، ونزوح أكثر من مليون شخص، وفق السلطات اللبنانية. لكن خلف هذه الأرقام سؤالٌ يطرحه كل مزارع عائد إلى قريته: هل يمكن أن نأكل مما نزرع؟ هل نقطف الزيتون؟ ما دام الجواب غامضاً، فإن العودة إلى الجنوب تبقى عودةً منقوصة، إلى أرضٍ لم تعد كما تركها أصحابها.




