لا تبدو المعركة في جنوب لبنان معركة احتلالٍ للأرض بقدر ما هي معركة لإفراغها من أهلها. فمنذ وقف إطلاق النار أواخر 2024، لم تتوقّف الجرّافات والطائرات المسيّرة الإسرائيلية عن نسف البيوت وتجريف الأحياء في القرى الحدودية، في نمطٍ متكرّر يتجاوز الرد العسكري الظرفي إلى ما يشبه عقيدةً قائمة بذاتها: اجعل العودة مستحيلة، فيغيب الناس من تلقاء أنفسهم.
عقيدة معلنة
لم تُخفِ المؤسسة الإسرائيلية هذا التوجّه. ففي آذار/مارس 2026، نقلت وكالة «رويترز» عن وزير الدفاع الإسرائيلي تعهّده بتدمير المنازل في القرى اللبنانية القريبة من الحدود، وبعدم السماح بعودة نحو 600 ألف نازح من الجنوب إلى بيوتهم «حتى يتحقّق أمن شمال إسرائيل». كلامٌ يربط صراحةً بين بقاء القرى مهدّمة وبين هدفٍ سياسي: تحويل الشريط الحدودي إلى منطقةٍ خالية من السكّان، بصرف النظر عن اتفاقات وقف النار أو القانون الدولي.
المنصوري: المختبر
لم تكن بلدة المنصوري، جنوب صور، سوى الوجه الأوضح لهذه المقاربة. فبحسب ما نقلته صحيفة «الشرق الأوسط»، كثّفت القوات الإسرائيلية عمليات الهدم والتفجير والتجريف في البلدة الساحلية حتى باتت من أكثر مناطق الجنوب تضرّراً. وذكرت الوكالة الوطنية للإعلام أن قوات الاحتلال فجّرت عدداً من المنازل السكنية داخل المنصوري وعلى أطرافها في أيلول/سبتمبر الماضي، وأن دويّ الانفجارات سُمع في قرى بعيدة وصولاً إلى محيط صيدا والساحل. المشهد الذي نقلته عدسات الوكالات كان قاسياً في رمزيّته: أهالٍ يتجمّعون على تلّةٍ في بلدةٍ مجاورة ليشاهدوا، من بعيد، بيوتهم تُنسف الواحد تلو الآخر.
من الاحتلال إلى «السيطرة بالنار»
على المستوى العسكري، تتقاطع هذه السياسة مع تحوّلٍ في شكل الحضور الإسرائيلي. فبحسب تقارير «الشرق الأوسط» نفسها، خفّضت إسرائيل عدد ألويتها العاملة في جنوب لبنان من ثمانية إلى ستة وسحبت لواء «غولاني»، من دون أن تنسحب من النقاط التي تحتفظ بها داخل ما تسمّيه «المنطقة الأمنية». أي أن تقليص عدد الجنود على الأرض لا يعني تراجعاً في القبضة، بل استبدالها بوسائل أقلّ كلفة بشرية بالنسبة إليها: ضربات جوية ومدفعية شبه يومية، وتدميرٌ ممنهج يُبقي المنطقة غير صالحة للسكن. إنها «سيطرة بالنار» لا بالأقدام، تُنجز هدف الإفراغ من دون أعباء الاحتلال الدائم.
حين يصبح البيت هدفاً
خلف لغة «الألوية» و«المناطق الأمنية» و«الخطوط»، ثمة بشرٌ فقدوا أبسط ما يملكون: الحق في العودة إلى بيوتهم. فالجنوبي الذي نزح تحت القصف يكتشف، كلما لاح أفق تهدئة، أن بيته لم يعد قائماً، وأن أرضه التي ورثها عن أجداده تحوّلت إلى ركام أو إلى منطقةٍ محظورة. ليست هذه خسارة عقارية يمكن تعويضها برقمٍ في موازنة إعادة إعمار، بل اقتلاعٌ لجذرٍ ولهوية. وفي كل مرة تُنسف فيها قرية، يُراد لأهلها أن يفهموا الرسالة: المكان لم يعد لكم. لكنّ تاريخ هذا الجنوب يقول عكس ما تريده الجرّافات: الناس عادوا بعد كل حربٍ، وأعادوا بناء ما هُدم، مراراً.
خلاصة
ما يجري على الحدود الجنوبية ليس مجرّد خروقٍ لوقف إطلاق النار، بل سياسة ممنهجة عنوانها منع العودة عبر جعل الأرض غير قابلة للحياة. تعهّدٌ إسرائيلي معلن، ومختبرٌ اسمه المنصوري، وتحوّلٌ عسكري نحو السيطرة بالنار: ثلاثة عناصر تشكّل معاً عقيدةً واحدة. وبينما تتقدّم طاولات التفاوض ببطء، يبقى السؤال الأصعب معلّقاً فوق كل بيتٍ مهدّم: من يضمن لأهل الجنوب حقّهم في العودة إلى ما تبقّى من قراهم؟





