رفعت إسرائيل سقف تهديداتها بتوسيع احتلالها في جنوب لبنان، بعدما لوّح وزير دفاعها يسرائيل كاتس بإضافة منطقتَي النبطية والليطاني إلى ما وصفها بـ«المنطقة الأمنية الدائمة»، في حال انخرط حزب الله في مواجهة محتملة بين إسرائيل وإيران، وفق ما نقلت صحيفة «الشرق الأوسط». لكنّ قراءة ما يجري على الأرض تشير إلى أنّ المسألة أبعد من تصريحٍ انتخابي: إنها عملية تثبيتٍ بطيئة لاحتلالٍ يستخدم الجغرافيا أداةً.
الرسالة الموجَّهة إلى أهل الجنوب قاسية في وضوحها. فكاتس سبق أن هدّد بإجلاء سكان مناطق واسعة وصولاً إلى نهرَي الزهراني والأولي، إضافةً إلى الضاحية الجنوبية لبيروت، متحدّثاً عن نزوح أكثر من مليون شخص، ومؤكّداً استعداد الجيش الإسرائيلي لتنفيذ مناورة برية. هذا ليس تهويلاً بلا أثر: إنه يرسم، على الورق، خريطة طردٍ سكاني لمن بقي في الجنوب رغم كل شيء.
ما تقوله الأرض لا التصريحات
منذ أشهر، وسّعت القوات الإسرائيلية انتشارها باتجاه مرتفعات استراتيجية، أبرزها قلعة الشقيف وعلي الطاهر قرب النبطية، فيما تعرّضت مرتفعات الريحان وسجد وجبل الرفيع لغاراتٍ متكرّرة. المرتفعات ليست تفصيلاً عسكرياً: من يملكها يتحكّم بالممرّات والقرى الواقعة تحتها. وفي المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل جنوب الليطاني في قضاء بنت جبيل، توثّق وكالات الأنباء عمليات هدمٍ وتدميرٍ ممنهجة للبيوت والبنى، بما يحوّل الأرض المحتلة إلى حزامٍ خالٍ من أهله.
جغرافيا تصنع حزاماً
يرى العميد المتقاعد فادي داود، في حديثٍ إلى «الشرق الأوسط»، أنّ التهديدات الإسرائيلية تتجاوز استهداف حزب الله وتفكيك بنيته العسكرية إلى أهدافٍ سياسية وجغرافية. ويقول إنّ «العبرة ليست بما تقوله إسرائيل، بل بما تفعله على الأرض وبالمواقع التي تسعى إلى الوصول إليها»، موضحاً أنّ القوات المهاجِمة تحتاج دائماً إلى الاستناد إلى حاجزٍ جغرافي طبيعي يتيح لها تثبيت وجودها وتنظيم دفاعاتها.
وبحسب داود، فإنّ أي تقدّمٍ عسكري يجري وفق مراحل متتابعة تبدأ بالتحضير الناري وتأمين الأجنحة ثم تثبيت المواقع، وإنّ إسرائيل «لم تصل بعد إلى خط المرحلة» الذي تسعى إلى بلوغه. ويطرح احتمال امتداد الطموحات إلى نهر الأولي شمال صيدا، وهو ما يعني توسيع الحزام الأمني إلى عمقٍ كبير داخل الأراضي اللبنانية، بما يشمل إقليم التفاح والقرى المحيطة به.
الجنوب اللبناني والجنوب السوري: مسارٌ واحد
لا تُقرأ تحرّكات إسرائيل جنوب لبنان بمعزلٍ عمّا يجري جنوب سوريا. فبحسب داود، ثمة ترابطٌ بين المسارين في ريف القنيطرة ومنطقة جبل الشيخ، ضمن توجّهٍ إسرائيلي يقوم على استخدام الجغرافيا لإنشاء «مناطق أمنية» على حدودها الشمالية. المنطق واحد: تحويل الحدود من خطٍّ سياسي إلى عمقٍ ميداني تسيطر عليه إسرائيل، على حساب القرى والبلدات الواقعة فيه.
لماذا الآن؟
تتزامن هذه التهديدات مع تحرّكاتٍ عسكرية إسرائيلية متواصلة واقتراب موعد انتخابات الكنيست، ما يجعل الخطاب التصعيدي ورقةً داخلية في يد كاتس وحكومته. غير أنّ ربط التهديد بانخراط حزب الله في أي مواجهة مع إيران يكشف أنّ الجنوب اللبناني بات ساحةً مرشّحة لأن تُدفع فيها فاتورة أي تصعيدٍ إقليمي أوسع، بصرف النظر عن إرادة أهله. بهذا المعنى، لا يُقاس الخطر بما إذا كانت المواجهة الكبرى ستقع، بل بأنّ الجنوب رهينةُ احتمالها.
القرى هي الثمن
خلف المصطلحات العسكرية، ثمة قرى في أقضية النبطية وبنت جبيل ومرجعيون تعيش هذا المشروع يومياً: مرتفعاتٌ تُقصف، بيوتٌ تُهدم، أهلٌ يُطلب منهم ألّا يعودوا. «المنطقة الأمنية الدائمة»، بالنسبة إلى هؤلاء، ليست خطاً على خريطة عسكرية، بل أرضهم وذاكرتهم وموسم زيتونهم.
تبقى التهديدات مشروطةً، في خطاب كاتس، بانخراط حزب الله في مواجهةٍ إقليمية. لكنّ الوقائع الميدانية ماضية في مسارها بصرف النظر عن المواجهة الكبرى: مرتفعٌ هنا، عملية هدمٍ هناك، خطّ مرحلةٍ يُرسَم ببطء. والجنوب، كعادته منذ عقود، هو من يدفع ثمن انتظار ما لم يُحسَم بعد.





