ليست الغارة الواحدة هي الحدث؛ الحدث هو ما يُبنى خلفها. فبينما تتوالى الضربات الجوية والمدفعية على قرى الجنوب، تشير المؤشرات الميدانية إلى أنّ إسرائيل ليست في وارد الانسحاب، بل تعمل على تثبيت منطقةٍ أمنيةٍ عازلةٍ داخل الأراضي اللبنانية، ضمن ما بات يُعرف بـ«الخط الأصفر». هكذا تتحوّل الحرب المفتوحة من سلسلة عمليات إلى مشروع احتلالٍ يُراد له أن يدوم.
من الغارة إلى التثبيت
وفق قراءةٍ نشرتها صحيفة «النهار» (28 أيلول 2026) نقلاً عن أوساط ديبلوماسية، استكملت إسرائيل ما تزعم أنه تدمير البنى التحتية لـ«حزب الله» ضمن الخط الأصفر، ثم انتقلت إلى مرحلة تثبيت المنطقة العازلة والسيطرة عليها بالنار. يمتدّ هذا النفوذ الميداني من النبطية ومرتفعات إقليم التفّاح إلى المنصوري جنوبي صور، وحداثا في قضاء بنت جبيل، فيما تحتلّ إسرائيل أجزاءً من القطاع الشرقي وتسيطر على قرى العرقوب انطلاقاً من جبل الشيخ، وتطلّ على قرى البقاع الغربي.
المعنى المباشر لهذا الانتشار أنّ الجنوب المحتلّ يتحوّل إلى نقطة ارتكازٍ دائمة، تُدار منها عملياتٌ قد تتصاعد وتيرتها حيناً وتخفّ حيناً، لكنها لا تتوقف. ليست حدوداً مؤقتة تُرسم في انتظار تسوية، بل واقعٌ ميدانيٌّ يُراد ترسيخه على الأرض قبل أيّ طاولة تفاوض.
إقليم التفّاح في مرمى المرحلة الجديدة
تشير المعلومات التي أوردتها «النهار» إلى مرحلةٍ جديدةٍ من الضغط: تكثيف الغارات على إقليم التفّاح، من جبل الرفيع وصولاً إلى تلال الريحان وجبل صافي، بذريعة أنّ قيادة «حزب الله» العسكرية انتقلت إلى هناك. وهي ذريعةٌ إسرائيلية تُساق لتبرير توسيع العمليات شمالي نهر الليطاني، أي خارج الشريط الحدودي المباشر.
وفي فجر الاثنين، شنّت الطائرات الحربية الإسرائيلية سلسلة غاراتٍ على وادي زبقين وأطراف بلدة حداثا والمنطقة الواقعة بين تبنين وحاريص، مع قصفٍ مدفعيٍّ متواصلٍ على وادي زبقين وغارةٍ على بلدة طلوسة في قضاء مرجعيون. مشهدٌ يتكرّر كلّ فجرٍ تقريباً، ويؤكّد أنّ خريطة النار تتّسع لا تنكمش.
اتفاق الإطار بدل القرار 1701
خلف الميدان، معركةٌ على المرجعية القانونية للعلاقة بين لبنان وإسرائيل. تفيد أوساط ديبلوماسية، بحسب «النهار»، بأنّ المفاوضات ستبقى معلّقة لفرض مزيدٍ من الشروط، وأنّ إسرائيل تسعى إلى فرض أجندةٍ أبرز نقاطها اعتماد «اتفاق إطار» أمنيٍّ يتجاوز القرار 1701. وهي لا تطالب بانسحاب جيشها، بل تريد ترتيبات أمنٍ وإشرافٍ وحرية حركة.
في المقابل، شدّد رئيس الحكومة نواف سلام من على منبر الأمم المتحدة على أنّ القرار 1701 يبقى المرجع الناظم للعلاقة بين البلدين. لكنّ واشنطن، وفق المعلومات نفسها، تتمسّك باتفاق الإطار ناظماً للعلاقة، ولا تمنح لبنان أوراقاً سياسيةً في مواجهة إسرائيل، حتى مع ضماناتٍ بعدم توسيع الحرب نحو بيروت.
توقيتٌ انتخابيّ
لا يمكن فصل هذا التصعيد عن التقويم السياسي الإسرائيلي. فالعمليات تتكثّف مع بدء العدّ العكسي للشهر الأخير قبل الانتخابات الإسرائيلية المقرّرة في 27 تشرين الأول. وتتحدّث القراءات عن رغبةٍ لدى بنيامين نتنياهو في مواصلة الحرب قبل الاستحقاق، ما يُغذّي مخاوف لبنانية من أسابيع تصعيديةٍ متفجّرة، وسط تقديراتٍ بأنّ هذا الوضع قد يمتدّ إلى ما بعد مطلع عام 2027.
بهذا المعنى، يصبح جنوب لبنان ورقةً في حساباتٍ داخليةٍ إسرائيلية، تُدفع كلفتها البشرية والعمرانية على الأرض اللبنانية.
أرضٌ تُبتلع على مهل
تكتمل صورة المنطقة العازلة حين تُقرأ إلى جانب عمليات التفجير والتجريف التي تحوّل قرى الحافة الأمامية إلى حزامٍ من الأراضي المحروقة. فالمنطقة لا تُرسم بالخرائط وحدها، بل تُصنع بالجرّافة والنسف: بيوتٌ تُهدم، وبساتينُ تُقتلع، وأرضٌ تُفرَّغ من أهلها لتصير مجالاً أمنياً مفتوحاً.
هكذا يتقدّم الاحتلال على مهل، لا بإعلانٍ صريحٍ عن ضمٍّ، بل بترسيخ أمرٍ واقعٍ يصعب التراجع عنه لاحقاً. والسؤال الذي يبقى معلّقاً فوق قرى الجنوب ليس متى تتوقف الغارة التالية، بل متى تستعيد هذه الأرض، وأهلها، حقّهم في العيش فوقها دون أن تكون خطاً على خريطة عدوّ.




