مع اقتراب موسم قطاف الزيتون، لا يخشى مزارعو جنوب لبنان الصقيع أو الجفاف بقدر ما يخشون النار. ففي محيط مجدل زون وبيوت السياد، أضرمت قذائف الفوسفور الأبيض الإسرائيلية حرائق في حقول الزيتون قبيل أسابيع من الحصاد، وفق ما نقلته صحيفة «النهار». إنها ليست حوادث معزولة، بل نمطٌ متكرر يحوّل أرض الجنوب ورزق أهله إلى وقودٍ لسلاحٍ لا تنظّمه معاهدة دولية.

سلاحٌ يشعل الأرض

الفوسفور الأبيض مادة تشتعل فور تعرّضها للأوكسجين، وتنتج حرارة هائلة يصعب إخمادها، وتسبّب حروقاً بالغة تصل إلى العظم وتترك آثاراً جسدية ونفسية تدوم مدى الحياة. حين تسقط قذائفه على أرضٍ زراعية، فإنها لا تحرق الأشجار فحسب، بل تلوّث التربة وتقتل ما تحتها، فتُفقد الأرض قدرتها على العطاء لسنوات.

ورغم فداحة آثاره، لا يخضع الفوسفور الأبيض حتى اليوم لأي معاهدة دولية خاصة تحظره أو تنظّم استخدامه، وهو ما يجعل استعماله في المناطق المأهولة والزراعية منطقة رمادية في القانون الدولي الإنساني تستغلّها القوى العسكرية.

23 حادثة موثّقة في الجنوب

في التاسع من أيلول/سبتمبر 2026، أصدرت منظمة «هيومن رايتس ووتش» بالاشتراك مع «العيادة الدولية لحقوق الإنسان» في كلية الحقوق بجامعة هارفارد تقريراً من خمس وأربعين صفحة بعنوان «احتراقٌ خارج السيطرة: الآثار اللاإنسانية لذخائر الفوسفور الأبيض والحاجة إلى قانون أقوى». ووثّق التقرير 23 حادثة تم التحقق منها لاستخدام القوات الإسرائيلية للفوسفور الأبيض في جنوب لبنان بين آذار/مارس وأيار/مايو 2026.

واستند التقرير إلى تحليل قانوني وتحقيقات في مصادر مفتوحة وستة عشر مقابلة، ورصدٍ للإجراءات الدبلوماسية. وقالت بوني دوشرتي، المستشارة البارزة لشؤون الأسلحة في المنظمة والمحاضِرة في عيادة هارفارد، إنّ «ذخائر الفوسفور الأبيض قادرة على إحداث حروقٍ مروّعة وإلحاق أذى جسدي ونفسي واجتماعي واقتصادي يدوم مدى الحياة». ودعت المنظمة الدول إلى إثارة الملف خلال اجتماع نزع السلاح في الجمعية العامة للأمم المتحدة في تشرين الأول/أكتوبر 2026، والدفع نحو قانونٍ دولي يعالج الكلفة الإنسانية لهذه الأسلحة.

موسم الزيتون تحت الرماد

في الجنوب، الزيتون أكثر من محصول. إنه عصب الاقتصاد الريفي وذاكرة العائلات وامتدادها في الأرض؛ أشجارٌ يزرعها الجدّ ليقطف ثمرها الحفيد، وبعضها معمّر منذ عقود لا تُعوَّض بسهولة. حين تحترق شجرة زيتون، لا يخسر المزارع موسماً واحداً، بل سنوات من الرعاية والانتظار، ومصدر رزقٍ يعيل به أسرته.

هنا يتقاطع «الأذى الاجتماعي والاقتصادي» الذي تتحدث عنه المنظمات الحقوقية مع واقعٍ ملموس: قرى حدودية يعتمد أهلها على القطاف الموسمي، يجدون حقولهم رماداً قبل أن يبدأ الحصاد. والخوف من النار يضاف إلى خوفٍ آخر، إذ يقصد كثير من المزارعين أرضهم القريبة من خط التماس تحت تهديد الاستهداف المباشر.

أرضٌ وناسٌ بلا حماية

يأتي هذا كله في سياق تصعيدٍ إسرائيلي متواصل على الجنوب، واحتلالٍ لم يرحل عن نقاطٍ حدودية، وقوة دولية تستعدّ للانسحاب مع نهاية العام. وبين سلاحٍ لا تحظره معاهدة، وحقولٍ بلا حماية، ومزارعين يواجهون موسمهم بأعصابٍ مشدودة، يبقى أهل الجنوب وحدهم في مواجهة نارٍ تلتهم أرضهم ورزقهم وذاكرتهم.

قد لا يُحصى ما يحترق في أرقام، لكنّ ما يُفقد أعمق من موسم: شجرةٌ تُقتلع، وبيتٌ يُهجَر، وارتباطٌ بالأرض يُختبر كلّ خريف. وفي كل موسم زيتونٍ جديد، يعيد الجنوب طرح السؤال نفسه: من يحمي هذه الأرض ومن يزرعونها؟