لم تنتهِ الحرب في الجنوب حين صمتت المدافع. تركت خلفها عدوّاً آخر، صامتاً وصبوراً، يتربّص في تراب الحقول وعلى أسطح البيوت وبين ركام ما تهدّم: مخلّفاتٌ لم تنفجر بعد. أمس، في حيّ العريض ببلدة حبوش في قضاء النبطية، انفجرت قنبلة عنقوديّة من مخلّفات العدوان الإسرائيلي، فأصابت في بادئ الأمر شخصين، ثمّ جاء الخبر الأقسى: استشهاد الطفل محمد علي إبراهيم متأثّراً بجراحه، وفق ما نقلته وسائل إعلام لبنانية عن الوكالة الوطنية للإعلام. لم يكن الطفل على خطّ تماس، ولا قرب هدفٍ عسكري. كان في بلدته، حيث يُفترض أن يكون آمناً.

قنبلةٌ في حيٍّ سكني

المشهد في حبوش يختصر مأساةً متكرّرة: سلاحٌ صُنع ليقتل في زمن الحرب، يواصل عمله في زمن ما يُسمّى وقف النار. حيّ العريض حيٌّ سكنيّ، لا ثكنة ولا موقع. ومع ذلك كانت القنبلة هناك، مطمورةً في انتظار قدمٍ صغيرة أو يدٍ فضوليّة. هذه هي طبيعة الذخائر العنقوديّة: لا تفرّق بين مقاتلٍ ومدني، ولا بين لحظة الاشتباك وما يليها من هدوءٍ هشّ.

عدوٌّ صامتٌ في الأرض

القنبلة العنقوديّة ليست سلاحاً واحداً، بل حاويةٌ تتفرّع عند انفجارها إلى عشراتٍ من القنابل الصغيرة التي تتناثر على مساحاتٍ واسعة. نسبةٌ منها لا تنفجر لحظة السقوط، فتستقرّ في الأرض والأشجار والبيوت، وتتحوّل إلى ألغامٍ مموّهة تنتظر من يلمسها. لهذا صُنّفت هذه الذخائر بين الأسلحة الأكثر غدراً بالمدنيين، لأنّ خطرها لا يرتبط بساعة إطلاقها، بل يمتدّ أشهراً وسنوات، ويطاول من لا علاقة له بالحرب أصلاً.

ذاكرة 2006 لم تندمل

ما يجري اليوم ليس جديداً على أهل الجنوب. في حرب تموز 2006، أطلقت إسرائيل ما يُقدّر بأكثر من أربعة ملايين قنبلة عنقوديّة صغيرة على القرى الجنوبية، وفق ما وثّقته منظمات دولية. وفي الشهر الأول الذي أعقب وقف النار، قتلت المخلّفات غير المنفجرة أو أصابت ما متوسّطه ثلاثة إلى أربعة أشخاص يومياً. أرقامٌ تحوّلت مع الوقت إلى ذاكرةٍ جماعيّة عند الجنوبيين: كلّ حقلٍ يحمل شبهة، وكلّ عودةٍ إلى الأرض تبدأ بحذر. اليوم، تُضاف طبقةٌ جديدة من التلوّث فوق القديمة، ويعود الكابوس نفسه.

من يدفع الثمن

ضحايا هذه المخلّفات لهم ملامح ثابتة: مزارعٌ عاد ليقلّب أرضه فانفجرت تحت معوله، وطفلٌ التقط جسماً معدنياً لمّاعاً ظنّه لعبة، وعائلةٌ عادت إلى بيتٍ نجا من القصف لكنّه لم ينجُ من المخلّفات. هؤلاء ليسوا طرفاً في أيّ معادلة عسكرية. هم أهل الأرض الذين لا يملكون رفاهية هجرها، فيدفعون من أجسادهم ثمن بقائهم عليها. في هذا الجنوب المنهك، تسقط الضحايا بصمت، بعيداً عن نشرات الأخبار العاجلة وطاولات التفاوض.

مهمّة إزالةٍ بلا نهاية قريبة

مواجهة هذا الخطر تقع على عاتق الجيش اللبناني عبر وحداته الهندسية، بالتنسيق مع المركز اللبناني للأعمال المتعلّقة بالألغام ومنظّماتٍ متخصّصة. عملهم دقيقٌ وبطيء: مسح الأرض شبراً شبراً، تحديد المخلّفات، ثمّ تفكيكها أو إتلافها. مهمّةٌ تُنجز تحت شمسٍ حارقة وبأعصابٍ مشدودة، ويدفع القائمون بها أحياناً حياتهم أو أطرافهم ثمناً لها. والتلوّث واسعٌ إلى حدٍّ يجعل التطهير الكامل مسألة سنوات، تحتاج إلى تمويلٍ ثابت غالباً ما يتأخّر أو يغيب.

حربٌ بلا وقف إطلاق نار

بينما تنشغل العواصم بجولات التفاوض ومواعيدها، تبقى أرض الجنوب على حالها: ملغومةٌ بما تركه العدوان. القنبلة التي قتلت طفلاً في حبوش ليست حادثاً معزولاً، بل امتدادٌ للحرب بوسائل أخرى، تُبقيها حيّةً في الحقول والبيوت. وإذا كانت السيادة تُختصر عادةً بالحدود والانسحاب، فإنّ لها وجهاً آخر لا يقلّ أهميّة: أن يتمكّن طفلٌ في الجنوب من السير في حيّه دون أن يدوس موتاً مؤجّلاً. حتى يتحقّق ذلك، تبقى الحرب مفتوحةً على أهل الجنوب، وإن توقّف الرصاص.