ثلاث سنوات مرّت على اليوم الذي اشتعلت فيه الجبهة الجنوبية، فدخل لبنان حرباً لم يخترها شعبُه لكنه دفع ثمنها كاملاً. وبين أكتوبر 2023 واليوم، لم يعد الجنوب رقماً في نشرات الأخبار، بل صار جرحاً مفتوحاً: بلداتٌ محتها الغارات، عائلاتٌ لم تعد إلى بيوتها، وأجيالٌ وُلدت أو كبرت على وقع الطائرة المسيّرة. في الذكرى الثالثة، لا بدّ من وقفة حساب: ماذا بقي فعلاً من الجنوب؟
فاتورة بالأرقام
وفق بيانات وزارة الصحة اللبنانية، بلغت الحصيلة بين الثامن من أكتوبر 2023 ومنتصف أيلول 2026 نحو ثمانية آلاف وتسعمئة وثلاثة وخمسين شهيداً، وأكثر من ثلاثين ألفاً وستمئة جريح، أي ما يقارب أربعين ألف ضحية. والأقسى أنّ مرحلة عام 2026 وحدها سجّلت أكثر من أربعة آلاف وثلاثمئة شهيد، لتتجاوز حصيلة عامَي 2023 و2024 مجتمعَين. بكلامٍ آخر: الحرب لم تخفّ، بل صارت أشدّ فتكاً بعد «وقف إطلاق النار».
حين يصبح الركام عنواناً
الدمار المادي لا يقلّ هولاً. تشير تقديرات متداولة إلى أنّ قرابة مئة ألف وحدة سكنية دُمّرت أو تضرّرت في لبنان جرّاء العدوان. وكشفت دراسة جيومكانية لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي والمجلس الوطني للبحوث العلمية في حزيران 2026 عن أكثر من أحد عشر ألف مبنى مدمّر كلياً جنوب الليطاني وحده. وقد قدّر البنك الدولي احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو أحد عشر مليار دولار، بينما لم يُؤمَّن فعلياً حتى اليوم سوى قرضٍ أوليّ بمئتين وخمسين مليوناً. الفجوة بين حجم الخراب وحجم التمويل تكاد تكون هوّةً بلا قعر.
هدنةٌ لا تهدأ
منذ تفاهم وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024، كان يُفترض أن تصمت المدافع. لكنّ الواقع الميداني يقول عكس ذلك: غاراتٌ شبه يومية، قصفٌ مدفعي، تفجير منازل وجرف أراضٍ في القرى الأمامية، وتوغّلاتٌ متكرّرة. البلدات الحدودية التي يُفترض أن يعود إليها أهلها ما زالت غير صالحة للسكن، فيما تبقى عشرات آلاف العائلات في عداد النازحين. الهدنة على الورق لم تتحوّل سلاماً على الأرض.
جيلٌ بلا مدرسة
للحرب وجهٌ آخر أقلّ ضجيجاً وأعمق أثراً: التعليم. ففي محافظتَي الجنوب والنبطية، تضرّرت مئة وثمانٍ وتسعون مدرسة من أصل مئتين وسبع وستين، وبقي عام دراسيٌّ كامل معلّقاً في القرى الأمامية بينما فتحت بقية لبنان مدارسها. جيلٌ يكبر بلا صفٍّ ولا دفتر، في منطقةٍ هي أصلاً الأفقر والأكثر عرضةً للنسيان؛ وهذه كلفةٌ لا يسجّلها أيّ جدول خسائر، لكنها تُدفَع على مدى عقود.
الجنوب الذي يحمل الوطن
ما يلفت في هذه السنوات الثلاث ليس حجم الخسارة فحسب، بل مَن تحمّلها. فالجنوب، كعادته، دفع الفاتورة الأعلى عن بلدٍ بأكمله، ثم وجد نفسه في آخر طابور الاهتمام حين حان وقت الإعمار والتعويض. ومع ذلك، لم تُفرِغ الحرب قراه من معناها: ثمة من يعود إلى بيتٍ نصف مهدوم ليزرع حقله، ومن يرفض أن يغادر أرضاً دُفن فيها أهله. هذا التشبّث الصامت هو، في العمق، ما بقي من الجنوب: ناسٌ يرفضون أن يكونوا مجرّد رقمٍ في إحصاء.
خلاصة
بعد ثلاث سنوات، لا تُقاس كلفة الحرب بعدد الشهداء والجرحى والبيوت المدمّرة وحدها، بل بما لا يُحصى: طفولةٌ ضاعت، أرضٌ هُجّرت، وثقةٌ بالدولة تتآكل كلّما طال الانتظار. والسؤال الذي يفتح السنة الرابعة ليس «كم خسرنا؟»، بل «هل سيُترك الجنوب وحده مرة أخرى؟». الجواب، هذه المرة، لن يُكتب في تقرير، بل في ما ستفعله الدولة فعلاً لإعادة أهله إلى بيوتهم.




