بينما قرعت مدارس لبنان جرس العودة في منتصف أيلول، بقي جنوب الليطاني على موعدٍ آخر: موعدٍ مع الركام. في بلدات القطاع الحدودي، لا صفوف ولا دفاتر ولا طلاب، بل مبانٍ مثقوبة أو مسوّاة بالأرض، وأجيالٌ كاملة عُلّق عامها الدراسي إلى أجلٍ غير مسمّى. المدرسة، التي يُفترض أن تكون آخر ما يُمسّ في أي حرب، صارت في الجنوب هدفاً مثل غيرها.
مدارسُ تُقصَف ومدارسُ تُهدَم
المشهد لم يعد استثناءً. فجر الاثنين، أفادت مصادر محلية في الجنوب بتفجير مبنى مدرسة حولا الرسمية في منطقة جبل عامل بعد أيام من استهداف مدرسة ميفدون الرسمية في خراج حارة البيدر بالنبطية. هذه ليست حوادث معزولة بل حلقات في سلسلة ممتدة منذ أشهر، تطال المؤسسات التعليمية في القرى الأمامية تحديداً، حيث غابت المدرسة فغاب معها آخر ما يربط الأهالي بأرضهم.
وفي الموازاة، لا تهدأ النار على المدنيين أنفسهم. فجر الاثنين أيضاً، استشهد اثنا عشر شخصاً بينهم رضيعان وأربع سيدات ومسعف في غارةٍ على بلدة كفررمان، وفق ما أكّدته وزارة الصحة اللبنانية. حين يُقصف الحجر ويُقصف البشر في اليوم نفسه، يصبح الحديث عن «عام دراسي» ترفاً بعيداً.
الأرقام التي لا تكذب
وفق وزارة التربية والتعليم العالي، تضرّر نحو أربعمئة وستة وثلاثين مبنى تعليمياً جرّاء العدوان، ما يضع مستقبل قرابة مئتي ألف طالب على المحكّ. وفي محافظتَي الجنوب والنبطية وحدهما، تشير بيانات تربوية متداولة إلى تضرّر مئة وثمانية وتسعين مدرسة من أصل مئتين وسبع وستين، بينها نحو ثلاثين مدرسة دُمّرت كلياً. أرقامٌ تعني، بلغة بسيطة، أنّ أكثر من سبع مدارس من كل عشر في الجنوب لم تعد صالحة لاستقبال تلميذ.
هذه ليست إحصاءات باردة. خلف كل مبنى مدمَّر صفٌّ توقّف، ومعلّمٌ نزح، وطفلٌ تأجّل حلمه عاماً كاملاً. والتعليم، حين ينقطع عاماً في منطقة فقيرة أصلاً، نادراً ما يُستأنف كما كان: بعض الأطفال لا يعودون إلى المقاعد أبداً.
بين الإيواء والتعليم
المفارقة القاسية أنّ المدرسة في الجنوب لم تَعُد مكاناً للتعلّم فحسب، بل باتت أيضاً مأوى للنازحين. فمع بدء العام الدراسي، اضطرت السلطات إلى إخلاء مدارس في منطقة صور كانت تؤوي عائلات مهجّرة لإعادة فتحها أمام الطلاب، ما أثار استياء النازحين الذين وجدوا أنفسهم في الشارع من جديد، وفق ما نقلت وسائل إعلام عربية. معادلةٌ مستحيلة: إمّا سقفٌ للمهجَّر وإمّا مقعدٌ للتلميذ، ونادراً ما يتوفّر الاثنان معاً.
في هذا الفراغ، تحاول وزارة التربية ومبادرات أهلية سدّ الثغرة عبر التعليم المدمج أو استضافة طلاب الجنوب في مدارس المناطق الأكثر أماناً. لكنّ الحلول المؤقتة تبقى ترقيعاً: طفلٌ ينتقل يومياً عشرات الكيلومترات، أو عائلةٌ نازحة تفقد أثر مدرسة أبنائها الأصلية، ليسا وصفةً لعامٍ دراسي حقيقي.
الجنوب في آخر الصف
ثمة ما هو أبعد من الأرقام في هذه القصة. حين يُحرَم أطفال منطقةٍ بعينها من حقهم في التعلّم، بينما تمضي بقية البلاد في تقويمها الطبيعي، يترسّخ شعورٌ قديم في الجنوب: أنّ أبناءه دائماً في آخر الصف، آخر من يُحمى وآخر من يُعاد إعماره. هذا الإحساس بالغبن ليس جديداً على منطقةٍ اعتادت أن تدفع الثمن الأعلى وتُنسى حين تُوزَّع الحقوق.
والتعليم تحديداً كان على الدوام السلاح الوحيد المتاح للفقراء والمهمَّشين لتغيير مصيرهم. حين تُقصف المدرسة، لا يُدمَّر مبنى فحسب، بل يُصادَر أفقٌ كامل لجيلٍ لم يختر أن يولد على خط النار. الدفاع عن مقعد التلميذ في بنت جبيل أو كفررمان هو، في جوهره، دفاعٌ عن حقّ الجنوب في ألّا يُترك وحده.
خلاصة
عامٌ دراسيٌّ معلَّق في الجنوب ليس تفصيلاً لوجستياً يُعالَج بترميم جدران. إنه مؤشر على كلفةٍ اجتماعية طويلة الأمد: جيلٌ يكبر بلا مدرسة، في منطقةٍ هي أصلاً الأفقر والأكثر عرضة للنسيان. وما لم يُدرَج إعمار المدارس على رأس أولويات الدولة والجهات المانحة، فإنّ الفاتورة الحقيقية للحرب لن تُدفع على الحدود، بل في مستقبل أطفالٍ لم يرتكبوا سوى أنهم وُلدوا هناك.





