تلةٌ صغيرة شرق مدينة النبطية باتت اليوم مفتاح مصير الجنوب اللبناني. مرتفعات علي الطاهر، التي أعلنت إسرائيل السيطرة عليها ونفى حزب الله ذلك، تحوّلت من نقطة على الخريطة العسكرية إلى عقدة تتكسّر عندها التسويات: تشترط تل أبيب انسحاب الحزب منها وتسليمها للجيش اللبناني لاستكمال وقف إطلاق النار، فيما يقفل الحزب الباب علناً أمام هذا الطرح.

في حديث إلى إذاعة "سبوتنيك" يوم الاثنين 18 آب 2026، لم يترك النائب حسن عزّ الدين، عضو كتلة الوفاء للمقاومة، مجالاً للالتباس. قال إن "موقع علي الطاهر من المواقع الأساسية للمقاومة، التي لن تتخلى عنها، وستواجه أي عمل عدواني بكل ما تمتلك من قدرات". وأضاف أن المقاومة "ستقوم بواجبها الوطني إذا هاجمت إسرائيل هذا الموقع"، معتبراً أن رفض تسليمه للجيش نابعٌ من كونه "مطلباً إسرائيلياً".

"لن نرفع الراية البيضاء"

ذهب عزّ الدين أبعد من الموقف الميداني، فوصف ما سمّاه "اتفاق الإطار" بأنه "ولد ميتاً ولا يساوي شيئاً، ويمثّل انتهاكاً للسيادة، وجلب للبنان الذل والعار". وربط المعركة حول التلة بمشهد أوسع، قائلاً إنها "ليست أساس المواجهة، وإنما الأساس هو ما حدث في لبنان وخاصة الجنوب".

وفي قراءته للدوافع الإسرائيلية، رأى النائب أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو "بات أسير تحقيق إنجاز يسوّق من خلاله لحملته عبر السيطرة على تلة علي الطاهر مهما كلّف الثمن"، مؤكداً أن "المقاومة ستقاوم ولن ترفع الراية البيضاء تحت أي ظرف، والواقع الميداني سيحدد طبيعة المعركة".

تضارب الروايات

يأتي هذا الموقف الحاسم ليقطع الطريق على روايات متضاربة تداولتها وسائل إعلام لبنانية حول ما إذا كان الحزب قد عرض بنفسه تسليم الموقع للجيش، أو رفض ذلك رفضاً قاطعاً. كلام عزّ الدين ينفي بوضوح فرضية العرض، ويعيد تأطير المسألة بوصفها استجابةً لضغط إسرائيلي لا مبادرةً لبنانية. وبين الروايتين، يبقى الثابت الوحيد أن التلة أصبحت شرطاً تفاوضياً معلناً من الجانب الإسرائيلي.

كليرفيلد و"المناطق التجريبية"

يتقاطع هذا السجال مع جولة يجريها الجنرال الأميركي جوزف كليرفيلد في بيروت. فبحسب ما نقلته صحيفة "المركزية"، يبحث كليرفيلد "التقدّم في المناطق التجريبية" تمهيداً للتحقق مما أنجزه الجيش اللبناني في المرحلة الأولى من انتشاره في بلدة زوطر الغربية، قبل الانتقال إلى مرحلة ثانية. لكن تل أبيب لم توافق بعد على البلدات التي تشملها هذه المرحلة، ولا على جدول زمني لبدء انسحابها من الجنوب.

والعقدة الأبرز أمام كليرفيلد أن الجيش اللبناني يرفض قطعاً أن تتولّى إسرائيل آلية التحقق من تنفيذ مهماته. وخلال مفاوضات روما الأخيرة، طُرحت دول عدة للقيام بمهمة التحقق، من بينها إيطاليا وإسبانيا وفرنسا وبريطانيا وتركيا، إلا أن الوفد الإسرائيلي رفض أي دور لفرنسا وإسبانيا وتركيا، ما يعكس حجم التباعد في مقاربة كل طرف لآلية المراقبة.

الجنوب هو الساحة

خلف الجدل التقني حول التلة وآليات التحقق، يبقى الجنوب اللبناني هو الساحة والثمن معاً. فالاعتداءات والتفجيرات الإسرائيلية لم تتوقف، لا في زوطر الغربية حيث أُطلقت النار على الجيش عند بدء انتشاره، ولا في بلدة المنصوري التي لا يزال أهلها ممنوعين من العودة إليها. وبينما تتقدّم الأوراق على طاولات روما وبيروت، تبقى قرى الجنوب تحت وطأة انتظارٍ طويل: متى يعود الأهل، ومتى تصمت المدافع، ومَن يقرّر مصير تلةٍ تحمل اسم علي الطاهر.