لا تُدرَج المعالم على لائحة التراث المهدّد بالخطر احتفاءً بها، بل تحذيراً من فقدانها. هذا ما حصل لقلاع جبل عامل الخمس في جنوب لبنان، التي وضعتها لجنة التراث العالمي في اليونسكو على لائحة التراث العالمي المعرّض للخطر، بطلبٍ من الحكومة اللبنانية. قرارٌ يحمل وجهين: اعترافٌ دولي بالقيمة الاستثنائية لهذه القلاع، وإقرارٌ في الوقت نفسه بأنّ ألف عامٍ من ذاكرة الجنوب باتت مهدّدة بالزوال تحت وطأة الحرب.
خمس قلاعٍ تختصر تاريخ الجنوب
القلاع الخمس المُدرَجة هي: الشقيف وتبنين وشقرا ودير كيفا وشمع. تنتشر هذه الحصون على تلال جبل عامل وهضابه، وقد تعاقبت على بنائها وترميمها حقبٌ متعددة، من الصليبيين إلى المماليك فالعثمانيين. ليست مجرّد حجارة، بل سجلٌّ معماري لمنطقةٍ كانت على الدوام خطّ تماسٍ وممرّ حضارات. من قلعة الشقيف المطلّة على مجرى الليطاني، إلى قلعة تبنين التي تتوسّط بلدات القضاء، تختصر هذه المعالم أكثر من ألف عامٍ من عمران الجنوب وناسه.
قرارٌ من بوسان بطلبٍ لبناني
اتُّخذ القرار خلال دورة لجنة التراث العالمي المنعقدة في مدينة بوسان، بناءً على طلبٍ رسمي تقدّمت به الحكومة اللبنانية. وبحسب ما أعلنت وزارة الثقافة، حظي الإدراج بدعم أكثر من عشرين دولة، وهو ما اعتبره وزير الثقافة غسان سلامة تأكيداً على عزم المجتمع الدولي على صون القيمة العالمية الاستثنائية لهذا التراث. الإدراج على هذه اللائحة تحديداً يعني أنّ المنظمة تُقرّ بوجود خطرٍ داهم يهدّد المواقع، ويفتح الباب أمام آليات حماية ودعم دولية.
شهادةٌ سُلّمت في بيروت
ترجمةً للقرار، زار المدير العام لليونسكو خالد العناني بيروت بدعوةٍ من وزير الثقافة، وسلّم شهادة الإدراج إلى رئيس الجمهورية جوزاف عون. وتخلّل الزيارة سلسلة لقاءات مع كبار المسؤولين اللبنانيين، في رسالةٍ دولية مفادها أنّ حماية التراث اللبناني المهدّد باتت شأناً يتجاوز الحدود. حضورٌ رمزي أراد أن يقول إنّ ما يتهدّد هذه القلاع لا يخصّ الجنوب وحده، بل الذاكرة الإنسانية جمعاء.
الشقيف تحت الاحتلال
يبقى الوجه الأكثر إيلاماً في المشهد أنّ إحدى هذه القلاع، قلعة الشقيف (بوفور)، ما زالت تحت السيطرة الإسرائيلية وفق تقارير. فالحصن الذي شكّل على مدى قرونٍ نقطة مراقبةٍ استراتيجية فوق الليطاني، تحوّل مجدداً إلى موقعٍ عسكري محتل. وهنا يكتسب الإدراج بعداً إضافياً: توثيقٌ دولي لخطرٍ ليس طبيعياً ولا عرضياً، بل ناتجٌ مباشر من العدوان والاحتلال اللذين طالا الجنوب وأهله ومعالمه على حدٍّ سواء.
حين يصبح الحجر ذاكرة
خلف لغة القرارات الدولية، ثمة معنى أبسط وأعمق: أنّ لأهل الجنوب تاريخاً وحجارةً وأسماء بلدات، وأنّ محو هذا التراث محاولةٌ لمحو حضورهم ذاته. القلاع التي صمدت ألف عامٍ فوق تلال جبل عامل ليست ترفاً أثرياً، بل جذرٌ يشدّ الناس إلى أرضهم. أن تعترف اليونسكو بخطر زوالها هو، في جوهره، اعترافٌ بأنّ ذاكرة منطقةٍ بأكملها على المحكّ. ويبقى السؤال الأصعب معلّقاً: هل يكفي التوثيق الدولي لحماية حجرٍ ما زال بعضه تحت الاحتلال، أم أنّ صون التراث يبدأ أولاً بوقف ما يهدّده؟




