بعد عقودٍ ظلّ فيها مطار بيروت رئة لبنان الجوية الوحيدة، يستعدّ الشمال لاستعادة بوّابته. فقد أعلن رئيس مجلس الوزراء نوّاف سلام تحديد موعدٍ لإقلاع أوّل رحلة تجارية من مطار الرئيس رينيه معوّض في القليعات. الخبر، في بلدٍ أنهكته الأزمات، يحمل وعداً نادراً: أن يصل التنمية إلى طرفٍ طالما نُسي.
الإعلان
خلال جلسة مجلس الوزراء مساء الثامن من تشرين الأول 2026، أعلن سلام تحديد الخامس عشر من تشرين الثاني موعداً لإقلاع أوّل رحلة تجارية من مطار القليعات، على أن تُعلَن تفاصيل جدول الرحلات في الأوّل من تشرين الثاني بالتزامن مع فتح باب الحجوزات، وفق ما نقلته وسائل إعلام لبنانية من بينها "سفير الشمال". يعني ذلك أنّ المطار ينتقل من طور إعادة التأهيل إلى طور التشغيل الفعلي، لأوّل مرة كمنفذٍ مدني للركّاب.
مطارٌ عمره عقود
مطار القليعات ليس وليد اللحظة. فهو في الأصل قاعدة جوية عسكرية تعود إلى عقود، تحمل اسم الرئيس رينيه معوّض الذي اغتيل عام 1989 بعد أيّامٍ على انتخابه. لطالما طُرح المطار بوصفه المنفذ الجوي الثاني للبنان، ومتنفّساً احتياطياً كلّما تهدّدت سلامة مطار بيروت أو حركته، خصوصاً في أوقات التوتر الأمني. لكنّ المشروع ظلّ عالقاً سنوات بين قرارات مؤجّلة وتمويلٍ غائب وأولوياتٍ سياسية متبدّلة.
لماذا الآن
يأتي القرار في لحظةٍ يعيد فيها لبنان التفكير في هشاشة بنيته التحتية. فاعتماد البلد على مطارٍ وحيد جعله رهينةً لأيّ تهديد يطاول العاصمة، وهو ما تكرّر خلال سنوات الحرب الأخيرة. منفذٌ ثانٍ في الشمال يوفّر بديلاً في الأزمات، ويخفّف الضغط عن مطار بيروت، ويكسر مركزيةً خانقة ظلّت تحصر النشاط والخدمات في العاصمة ومحيطها.
عكّار التي تنتظر
هنا يكمن المعنى الأعمق. تُصنَّف عكّار منذ سنوات بين أكثر المناطق اللبنانية فقراً وتهميشاً، في دراساتٍ رسمية ودولية متتالية: بنية تحتية متهالكة، فرص عملٍ شحيحة، وهجرةٌ تنزف شبابها نحو بيروت والخارج. لم يكن غياب المطار سبب هذا الحرمان، لكنّه كان أحد رموزه: منطقةٌ تملك أرضاً ومدرجاً جاهزَين، وتُترك خارج الخريطة.
تشغيل المطار قد يعني، إن تُرجم فعلاً، فرص عملٍ مباشرة، وحركةً اقتصادية حول المنفذ الجديد، ورابطاً أسهل بين أبناء عكّار ومغتربيهم. الأهمّ أنّه اعترافٌ متأخّر بأنّ التنمية ليست حكراً على المركز، وأنّ للأطراف المنسيّة حقّاً في أن تُرى.
بين الوعد والإقلاع
تبقى الحصافة واجبة. فسجلّ لبنان مثقلٌ بمشاريع أُعلنت بالضجيج نفسه ثم تعثّرت أو نُسيت. والفارق هذه المرة أنّ موعداً محدّداً وُضع، وأنّ تفاصيل الرحلات والحجوزات يُفترض أن تُعلن مطلع الشهر المقبل. هذه هي المحكّات التي ستُقاس عليها الجدية: هل تُفتح الحجوزات في موعدها؟ هل تُقلع الرحلة الأولى في الخامس عشر من تشرين الثاني؟ وهل يتبعها جدولٌ منتظم، أم تبقى رحلةً رمزية ليوم واحد؟
خلاصة
إعلان تشغيل مطار القليعات خبرٌ جيّد في زمنٍ شحّت فيه الأخبار الجيّدة. لكنّ قيمته الحقيقية لن تُقاس بخطاب الإعلان، بل بما يلي الإقلاع: أن يتحوّل المدرج من رمزٍ لحرمان الشمال إلى أداةٍ فعلية لفكّ عزلته. حينها فقط يصبح للوعد وزنٌ، ولعكّار مكانٌ على الخريطة التي طالما تجاوزتها.




