قبل يومين من قرع الجرس الأول، لا يقف جنوب لبنان أمام سؤال المناهج والكتب، بل أمام معادلة لا تملك وزارة التربية وحدها مفتاحها: كيف تُفتح عشرات المدارس الرسمية في موعدها من دون أن تُدفع إلى الشارع عائلاتٌ اتخذت من صفوفها مأوى منذ أشهر؟ في الخامس عشر من أيلول، يتقاطع في المبنى الواحد حقّان لا يجوز إسقاط أحدهما للآخر: حقّ الأطفال في العودة إلى مقاعدهم، وحقّ النازحين في سقفٍ آمن. والجنوب، كعادته، هو من يقف في نقطة التقاطع.
صفٌّ واحد لوظيفتين
تقول وزارة التربية إن نحو ثمانين مدرسة رسمية كانت لا تزال تُستخدم مراكز إيواء مع اقتراب العام الدراسي. أُخلي قرابة نصفها تمهيداً لإعادة فتحها، فيما يُفترض أن تعمل نحو ثلاثين مدرسة جزئياً بالتزامن مع استمرارها في استقبال عائلات نازحة، على أن تبقى تسع مدارس مخصصة بالكامل للإيواء. تبدو الأرقام للوهلة الأولى خطة أنيقة لتوزيع الأدوار، لكنها تُخفي استحالة عملية: أن يكون المبنى الواحد مدرسةً ومأوى في آنٍ واحد.
فالمدرسة تحتاج إلى صفوف مجهّزة ومياه وكهرباء ومرافق صحية ومساحات تضمن سلامة الأطفال. أما مركز الإيواء فيحتاج إلى غرفٍ للنوم ومطابخ وخصوصية للعائلات وخدمات تعمل طوال اليوم. حين تجتمع الوظيفتان تحت سقفٍ واحد، لا يعود الفصل بينهما مسألة جدولٍ زمني أو طبقةٍ لكل استخدام، بل يدخل التلميذ إلى مكانٍ يختلط فيه درسُه بحياة عائلاتٍ فقدت بيوتها وخصوصيتها.
النازح إلى أين؟
المشكلة ليست في الجدران، بل فيمن سيغادرها. أكثر من ثلاثمئة وأربعين ألف شخص ما زالوا نازحين، وفق أرقامٍ نقلتها وكالة رويترز، لأن بلداتهم دُمّرت أو تضرّرت أو بقيت تحت الاحتلال الإسرائيلي، أو لأنها تقع ضمن نطاقٍ أمني تتكرّر فيه الغارات والإنذارات. بالنسبة إلى هؤلاء، إخلاء المدرسة لا يعني العودة إلى المنزل، بل الانتقال إلى وجهةٍ مجهولة ومحطةٍ جديدة تُضاف إلى سجلّ نزوحهم.
في إحدى مدارس مدينة صور التي خُصّصت لاستقبال النازحين خلال الحرب، يرفض الأهالي فكرة نزوحٍ ثانٍ. معظمهم أتوا من قرىً احتُلّت أو لا تزال عرضة للقصف، كالناقورة والبياضة ومجدل زون والمنصوري وميس الجبل، أو من بيوتٍ هُشّمت بالكامل. لا إيواء بديلاً من الدولة، ولا مساعدات خارجية كافية لحمل جزءٍ من العبء. لم تكن المدرسة بالنسبة إليهم سقفاً فحسب، بل مساحةً مؤقتة حاولوا فيها استعادة شيءٍ من حياةٍ فقدوا مكانها. لكن لهذا المكان أيضاً موعد انتهاء.
حين يقرع الجرس فوق الخيمة
في موازاة استعداد الدولة لإعادة الطلاب إلى الصفوف والعائلات إلى بلداتها، يوسّع الجيش الإسرائيلي عملياته داخل الحزام المأهول شمال مناطق انتشار قواته. التصعيد الأخير حول النبطية، وصولاً إلى مجزرة كفررمان، أضاف سبباً آخر يجعل أي عودةٍ أكثر تعقيداً: كيف يُطلب من عائلةٍ أن تخلي مأوى المدرسة نحو بلدةٍ ما زالت تسمع فيها أزيز الطائرات؟
هنا تتضاعف الكلفة على الأطفال أنفسهم. فقسمٌ من التلامذة النازحين لم يخسر منزله وحده، بل انقطع عن التعليم أشهراً، وفقد رفاقه ومدرسته الأصلية ونظام يومه. أكثر من عشرة آلاف طفلٍ نازح في محافظتَي الجنوب والنبطية سُجّلوا في مدارس رسمية وخاصة قريبة من أماكن إقامتهم المؤقتة، في محاولةٍ لئلا تضيع سنةٌ دراسية إضافية. لكن استئناف الدراسة شيء، والاستقرار الذي يسمح بالتعلّم شيءٌ آخر. كيف يفتح التلميذ كتابه وهو لا يعرف أين سينام بعد انتهاء اليوم؟
حقّان لا يُسقط أحدهما الآخر
المعادلة التي يواجهها الجنوب في الخامس عشر من أيلول ليست خللاً إدارياً يُحلّ بجدولٍ أو تعميم. إنها نتيجة مباشرة لحربٍ لم تنتهِ فعلياً، ولوقفٍ لإطلاق النار بقي حبراً على ورق ما دام الاحتلال قائماً والغارات مستمرة. تُطالَب وزارة التربية بأن تفتح المدارس، لكنها لا تملك أن تبني البيوت المدمّرة ولا أن توقف الطائرات فوق البلدات.
في نهاية المطاف، سيُقرع الجرس في معظم مدارس الجنوب في موعده، وسيعود آلاف الأطفال إلى صفوفهم. لكن خلف كل صفٍّ يُعاد فتحه، ثمة عائلةٌ تجمع أمتعتها القليلة وتسأل إلى أين. وما لم يُفتح ملف الإيواء والإعمار بالجدية نفسها التي يُفتح بها ملف المدارس، فإن حقّ الطفل في التعلّم سيبقى مبنياً على حرمان أهله من المأوى. وهذا، في جنوبٍ دفع أصلاً الثمن الأكبر، حسابٌ لا يستقيم.





