منذ عام 1978 ورأس الناقورة مقرٌّ لقوة دولية صارت جزءاً من مشهد الجنوب اليومي. بعد سبعة وأربعين عاماً، حُدِّد موعد الرحيل: في الحادي والثلاثين من كانون الأول 2026 تنتهي مهمة قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، ويبدأ انسحابها الكامل. القرار اتُّخذ في مجلس الأمن، لكنّ كلفته ستُدفع على الأرض التي ما زالت تحت النار.

قرارٌ بلا رجعة

في 28 آب 2025، تبنّى مجلس الأمن الدولي بالإجماع القرار 2790 الذي مدّد ولاية اليونيفيل للمرة الأخيرة حتى 31 كانون الأول 2026، ووجّه البعثة إلى بدء انسحابٍ منظّم وكامل اعتباراً من ذلك التاريخ و"في غضون عام واحد"، وفق نص القرار كما أوردته تقارير مجلس الأمن. ولم يكن القرار ثمرة تقييمٍ ميداني بقدر ما جاء، بحسب ما نقلت صحيفة "لوريان توداي"، تحت ضغطٍ أميركي دفع المجلس إلى إنهاء مهمة القوة بدل تجديدها كالمعتاد كل عام.

عملياً، هذا يعني أنّ عام 2027 سيكون عام تفكيك البعثة: سحب الكتائب، إغلاق المواقع، وتسليم المهام. لا تمديد جديداً على الطاولة، بل نقاشٌ حول ما يأتي بعد الفراغ.

ما الذي ترحل عنه القوة

وُجدت اليونيفيل لمراقبة وقف الأعمال العدائية ودعم تطبيق القرار 1701 الصادر عام 2006. ومع اقتراب نهاية المهمة، يبحث أعضاء مجلس الأمن، بحسب التقرير الشهري لتشرين الأول 2026، في "ترتيبات محتملة" لمرحلة ما بعد اليونيفيل تحافظ على ما تبقّى من إطار 1701. وفي تشرين الأول نفسه، كان المجلس ينتظر الإحاطة نصف السنوية حول تطبيق القرار 1559 لعام 2004 الذي دعا إلى انسحاب القوات الأجنبية ونزع سلاح الميليشيات وبسط سلطة الدولة على كامل الأراضي.

غير أنّ السؤال الذي يقضّ مضجع الجنوبيين ليس قانونياً. القوة ترحل، لكنّ الخطر لا يرحل معها.

فراغٌ على خطّ النار

رحيل اليونيفيل لا يأتي في زمن هدوء. ففي تحديثٍ في 3 أيلول، قال المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة إنّ البعثة سجّلت تصاعداً في العنف خلال آب، مع خروقٍ إسرائيلية يومية للأجواء اللبنانية وغاراتٍ وعملياتٍ برية وبحرية وحضورٍ عسكري واسع شمال الخط الأزرق، في انتهاكٍ للقرار 1701 ولسيادة لبنان ووحدة أراضيه. وأضاف أنّ عناصر حفظ السلام رصدوا تحصين المواقع الإسرائيلية وإقامة بنى جديدة وأعمال هدمٍ وحفر.

وتواصلت العمليات الإسرائيلية في أيلول، بما في ذلك السيطرة الميدانية على مرتفع علي الطاهر قرب النبطية وتدمير أنفاق وغاراتٍ وعمليات هدمٍ طاولت أحياء سكنية، فيما أدان الأمين العام في بيانٍ في 8 أيلول "تصاعد الضحايا المدنيين"، محذّراً من غاراتٍ طاولت مستشفيات وكوادر صحية ومؤسسات عامة. سقوط شهداء مدنيين بينهم نساء وأطفال، ونزوحٌ متجدد، ودمارٌ واسع: هذا هو المشهد الذي ستغادره القوة.

لبنان الرسمي قلق

لم يمرّ الموعد من دون ردّ فعل. فقد وقّعت أغلبية نيابية مؤهّلة من ستةٍ وثمانين نائباً عريضةً تطالب بتمديد ولاية اليونيفيل، بحسب "لوريان توداي"، في مؤشرٍ على قلقٍ رسمي من الفراغ. ويقوم التصوّر المطروح على أن يتسلّم الجيش اللبناني تدريجياً المسؤوليات الأمنية.

وهنا تتقاطع الخطة مع الإطار الثلاثي الذي وقّعه لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة في 26 حزيران: بسط الجيش سلطة الدولة على كامل الأراضي "بانتظار نزعٍ موثَّق لسلاح الجماعات غير الحكومية"، مقابل إعادة انتشار تدريجي للجيش الإسرائيلي خارج الأراضي اللبنانية، عبر "مناطق تجريبية" يتحقّق فيها "طرفٌ ثالث" من خلوّها من السلاح. لكنّ هوية هذا الطرف الثالث لم تُحسم بعد، والمفاوضات الأميركية الوساطة تعثّرت: جولتان في روما خلال الصيف، وجولة أيلول أُجّلت إلى تشرين الأول، فيما انتهت جولة آب من دون اتفاق، وفق تقارير مجلس الأمن.

الجنوب الذي يُقرَّر عنه

في كل هذا، ثمة غائبٌ حاضر: أهل الجنوب. تُرسم الخرائط في نيويورك وروما وواشنطن، وتُوزَّع المهل والضمانات، فيما القرى على خطّ التماس تنتظر أن تعرف من سيقف بينها وبين الدبابة حين تُطوى الراية الزرقاء. لم تكن اليونيفيل درعاً كافياً، وكثيرون في الجنوب لهم معها حساباتٌ قديمة. لكنّ وجودها كان، على الأقل، شاهداً دولياً يوثّق الخرق ويبطئ الاندفاع.

السؤال المعلّق ليس من يملك القرار، بل من يتحمّل نتيجته. وفي كل مرة، يكون الجواب واحداً: الذين يسكنون أقرب نقطة إلى الحدود، وأبعد نقطة عن طاولة القرار.

خلاصة

ينتهي عدّ اليونيفيل التنازلي في نهاية 2026، لكنّ معادلة الجنوب الأصعب تبدأ حينها: دولةٌ تريد بسط سيادتها بجيشٍ مثقل، واحتلالٌ لا يتوقف، وطرفٌ ثالث مجهول، وأهل أرضٍ يُطلب منهم أن ينتظروا. ملء الفراغ ليس مسألة تقنية في مجلس الأمن، بل اختبارٌ لمن يملك فعلاً أن يحمي هذه الأرض ومن عليها.