أحيا الجيش اللبناني في الأول من آب ذكرى تأسيسه الحادية والثمانين، في مناسبة اكتسبت هذا العام بُعداً سياسياً يتجاوز طابعها الاحتفالي المعتاد. فالمؤسسة العسكرية باتت في قلب المعادلة اللبنانية الراهنة، بين مهمّة تثبيت الاستقرار في الجنوب، وملف حصر السلاح بيد الدولة الذي يتصدّر النقاش الداخلي والخارجي على حدّ سواء.
وربط رئيس الجمهورية جوزيف عون، القائد الأسبق للجيش، الاحتفال بهذا المبدأ. فقد جدّد ثقته بالمؤسسة العسكرية، مؤكداً، وفق ما نقلت صحف محلية عن كلمته في المناسبة، أنه لا شرعية لأي سلاح خارج شرعية الدولة. وتختصر هذه العبارة خلاصة المقاربة الرسمية التي يقوم عليها عهده منذ مطلع عام 2025.
عيد في ظلّ معادلة السلاح
يأتي العيد فيما يواصل الجيش انتشاره في مناطق جنوب الليطاني، ضمن مسار طويل لبسط سلطة الدولة. وكان مجلس الوزراء قد كلّف الجيش في وقت سابق بإعداد خطة لحصر السلاح بيد الدولة، وهي خطوة قوبلت بتحفّظ من حزب الله على الجدول الزمني المقترح، بحسب ما نقلته وكالة رويترز مطلع العام.
ويعكس هذا التباين عمق المسألة. فبين خطاب الدولة الذي يشدّد على حصرية السلاح، وموقف الحزب الذي يربط أي بحث في سلاحه بضمانات تتعلق بالانسحاب الإسرائيلي ووقف الخروقات، تبقى المعادلة مفتوحة على تسويات دقيقة أكثر منها على حسم سريع. وهنا يتحوّل الجيش من رمز وطني جامع إلى أداة تنفيذ لسياسة لا تزال أطرافها تتفاوض على تفاصيلها.
أجندة تشريعية مزدحمة قبل منتصف آب
إلى جانب الملف الأمني، تتّجه الأنظار إلى الاستحقاق التشريعي. فقد تحدثت صحف بيروتية عن توجّه لعقد جلسة تشريعية قبل منتصف آب، يُنتظر أن تتناول ملفين حساسين: قانون العفو العام، وإصلاح القطاع المصرفي.
ويُعدّ ملف المصارف من أكثر العناوين إلحاحاً على المستوى الاقتصادي، إذ يرتبط باستعادة الثقة وبمسار تعافٍ متعثّر منذ انهيار عام 2019. أما قانون العفو فيبقى من الملفات الخلافية التي تتقاطع عندها حسابات سياسية واجتماعية متشعّبة، وقد يشكّل إقراره أو تعطيله مؤشراً على قدرة المجلس على تجاوز انقساماته.
المسار الدبلوماسي في الخلفية
يتقاطع المشهد الداخلي مع حركة دبلوماسية دقيقة تخصّ الجنوب، بعد تراجع دور قوة الأمم المتحدة المؤقتة (اليونيفيل) وبروز نقاش حول الترتيبات الأمنية لما بعد ولايتها. وتترقّب الأوساط اللبنانية جولة مفاوضات مرتقبة في روما، في وقت يخيّم فيه التوتر الإقليمي المرتبط بالملف الإيراني على قراءة المشهد.
وتبدو هذه المسارات مترابطة. فاستقرار الجنوب شرط لأي تقدّم في الملف الاقتصادي، فيما يشكّل ترسيخ حصرية السلاح المدخل الذي تراهن عليه الدولة لإعادة بناء علاقاتها الخارجية واستعادة ثقة الشركاء الدوليين.
ما الذي يُراقَب
يتركّز الاهتمام في الأيام المقبلة على ثلاثة عناوين: مدى تقدّم انتشار الجيش في الجنوب وما يرافقه من ترتيبات ميدانية، ونتائج الجلسة التشريعية المرتقبة وقدرتها على تمرير الإصلاحات، ومآل المسار التفاوضي في روما. وبين هذه العناوين الثلاثة، يبقى الجيش، في عيده الحادي والثمانين، العنوان الجامع الذي تتقاطع عنده معادلات الداخل والخارج.




