يعود ملف إصلاح القطاع المصرفي إلى واجهة العمل التشريعي اليوم الثلاثاء، مع بلوغ مشروع تعديل قانون إصلاح وضع المصارف وإعادة تنظيمها الهيئة العامة لمجلس النواب. دعا رئيس المجلس نبيه برّي إلى جلسة تشريعية تُعقد على مدى يومين، الثلاثاء والأربعاء الواقعين في 11 و12 آب 2026، لمناقشة أربعة عشر بنداً، يتصدّرها ملفٌّ مالي يوصف بأنه الأشد حساسية في ولاية المجلس الممدّدة: القانون الذي يفترض أن يرسم آلية إعادة هيكلة المصارف المتعثّرة وتوزيع الخسائر المتراكمة منذ انهيار عام 2019.
ليست هذه محطة تفصيلية. فالنص يُعدّ، في نظر صندوق النقد الدولي، حجر الزاوية في أي اتفاق نهائي مع لبنان، ومن دون إقراره يبقى برنامج التمويل معلّقاً. لذلك تتجاوز رهانات الجلسة حدود بيروت المالية لتلامس مسألة استعادة لبنان لأي مسار تفاوضي جدّي مع المؤسسات الدولية.
جدول دسم في عقدٍ استثنائي
تُعدّ جلسة اليوم الثانية التي يعقدها المجلس ضمن العقد الاستثنائي المفتوح منذ الأول من حزيران. ويحمل جدول أعمالها بنوداً بقيت عالقة من الجلسة السابقة في 15 تموز، التي لم تُستكمل بعد فقدان النصاب إثر انسحاب كتلة الجمهورية القوية. إلى جانب قانون المصارف، يضمّ الجدول اقتراح إلغاء عقوبة الإعدام، وقانون الإعلام المنتظر منذ سنوات، واقتراح العفو العام، ومشروعاً حكومياً لرفع سنّ المسؤولية الجزائية الدنيا إلى أربعة عشر عاماً، فضلاً عن تمديد المهل الممنوحة للأجانب المتملّكين عقارات في لبنان. وتتوزّع البنود بالتساوي تقريباً بين سبعة مشاريع حكومية وسبع مبادرات نيابية.
كثافة الجدول تعني أن قانون المصارف سيتنافس على وقت النواب واهتمامهم مع ملفات لا تقلّ إثارة للجدل. كما أن استحضار سقوط الجلسة الأخيرة على صخرة النصاب يجعل حضور الكتل مسألة ليست مضمونة سلفاً.
عقدة الهيئة المصرفية العليا
جوهر الاشتباك حول النص لا يكمن في مبدأ الإصلاح، بل في هندسة السلطة داخل القطاع. فقد أصدرت جمعية مصارف لبنان ملاحظات قانونية حادة على التعديلات التي أدخلتها لجنة المال والموازنة، وركّزت اعتراضها على المادة المتعلقة بصلاحيات الهيئة المصرفية العليا، وهي الجهة التي يُفترض أن تتولّى قرارات إعادة الهيكلة وتصفية أو دمج المصارف غير القابلة للاستمرار.
السؤال المطروح: من يمسك بزمام القرار؟ إذ يدور النقاش حول مدى تداخل صلاحيات هذه الهيئة مع صلاحيات المجلس المركزي لمصرف لبنان، وحدود استقلاليتها عن المصارف نفسها. وكانت المادتان الثالثة والثالثة عشرة قد شكّلتا في الأشهر الماضية محور خلاف ثلاثي بين مصرف لبنان ووزارة المالية وصندوق النقد، قبل أن تُحال صيغ معدّلة إلى اللجنة. وتقول مصادر متابعة للجنة المال، التي يرأسها النائب إبراهيم كنعان، إنها أقرّت تباعاً موادّ إضافية مع مراعاة المعايير الدولية، غير أن نقاطاً خلافية بقيت عالقة حتى قبيل الجلسة.
موقف الجمعية ليس تفصيلاً إجرائياً. فهو يعكس مقاومة أصحاب المصارف لأي صيغة تحمّلهم القسط الأكبر من الخسائر أو تنزع عنهم موقع القرار في مصير مؤسساتهم، وهي المعادلة التي يصرّ عليها صندوق النقد بوصفها شرطاً لعدالة توزيع الأعباء.
لماذا يصرّ صندوق النقد
منذ التوصّل إلى اتفاق على مستوى الموظفين مع لبنان، ربط الصندوق أي تقدّم بإنجاز سلّة تشريعية مالية، يتقدّمها قانون إعادة هيكلة المصارف. المنطق واضح: لا يمكن معالجة أموال المودعين قبل تحديد وضع المصارف نفسها. لذلك يسبق هذا القانون عملياً قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، الذي عرضنا عقدته في تحليل سابق؛ فمن دون خريطة واضحة لأي المصارف يبقى وأيّها يُصفّى، يظلّ الحديث عن ردّ الودائع بلا أساس محاسبي.
بهذا المعنى، ما يُطرح اليوم ليس قانوناً واحداً بل حلقة أولى في سلسلة. وأي تعثّر عند هذه الحلقة يعطّل ما يليها، ويؤجّل معه لحظة الوضوح التي ينتظرها مئات آلاف المودعين منذ ست سنوات.
ما المنتظر من الجلسة
السيناريوهات مفتوحة. قد تُقرّ الهيئة العامة التعديلات كما وردت من اللجنة، وقد تُعيد فتح النقاش في المواد الخلافية، وقد تصطدم الجلسة مجدداً بمسألة النصاب إذا قرّرت كتلة أو أكثر الانسحاب اعتراضاً على أحد البنود الساخنة. والأرجح أن يكون التصويت اختباراً لمدى جدّية الإرادة السياسية في تجاوز حسابات المصارف والقوى المرتبطة بها.
ما هو مؤكد أن الأنظار الدولية مصوّبة على النتيجة. فبعد سنوات من الوعود المؤجّلة، بات إقرار قانون إصلاح المصارف مؤشراً عملياً على ما إذا كان لبنان قادراً فعلاً على المضي في مسار الإصلاح، أم أن الملف سيبقى رهين توازنات لم تتغيّر منذ بداية الأزمة. نتيجة اليوم لن تعالج الانهيار، لكنها ستقول الكثير عن اتجاه البوصلة.




