عاد رياض سلامة إلى خلف القضبان. حاكم مصرف لبنان السابق، الذي أمسك بمفاصل السياسة النقدية في البلاد ثلاثة عقود، نُقل يوم السبت من مستشفى في بلدة بحنّس إلى سجن رومية بأمر قضائي، ليصبح في عداد الموقوفين بعد أشهر من الغياب عن قاعات المحاكم. الحدث، في ظاهره إجراء قضائي روتيني، يحمل في عمقه سؤالاً أثقل: هل تملك الدولة اللبنانية فعلاً أدوات محاسبة أقوى مسؤول مالي في تاريخها الحديث؟

من المستشفى إلى الزنزانة

وفق ما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مسؤول قضائي لبناني، فإن النائب العام التمييزي القاضي أحمد رامي الحاج أمر بنقل سلامة من مستشفى بحنّس إلى مبنى شعبة المعلومات في سجن رومية، حيث بات موقوفاً. وأوضح المسؤول أن الوضع الصحي للحاكم السابق "سيبقى موضع متابعة، وإذا استدعت حالته تلقّي علاج طبي أو نقله إلى المستشفى، فسيُتّخذ الإجراء القانوني والطبي المناسب".

المسار الذي أوصله إلى الزنزانة بدأ الخميس الماضي. كان مقرراً أن يمثل سلامة أمام المحكمة، لكنه أُصيب بوعكة صحية أثناء توجّهه، فتأجّلت الجلسة. وحين تبيّن للنيابة العامة التمييزية أنه لم يُنقل إلى طوارئ المستشفى ولم يُعثر عليه في العناوين المسجّلة باسمه، أصدر القاضي بلاغ بحث وتحرٍّ، واعتبره ممتنعاً عن المثول أمام القضاء. وبعد التأكد من وجوده في مستشفى خارج بيروت، تحوّل إلى موقوف أمني قبل نقله إلى السجن.

ملف بأكثر من 260 مليون دولار

الشكوى الأحدث في هذا الملف لم تأتِ من خصم سياسي، بل من داخل المؤسسة نفسها. ففي 8 كانون الثاني الماضي، تقدّم حاكم مصرف لبنان الحالي كريم سعيد بشكوى ضد سلفه تتعلق بالاستيلاء على أموال مصرف لبنان، وإثراء غير مشروع، وشبهات تبييض أموال، بمبالغ تُقدَّر قيمتها بأكثر من 260 مليون دولار.

وبسبب تدهور حالته الصحية، كانت جلسة استجواب أولية قد عُقدت الشهر الماضي في منزل سلامة في القضية نفسها. وهي ليست الملف الوحيد: فالحاكم السابق، الذي تولّى المنصب من عام 1993 حتى تموز 2023، يواجه اتهامات عدة تشمل الاختلاس والتزوير والتهرب الضريبي، ويخضع لتحقيقات داخل لبنان وخارجه، بعدما شكّل على مدى سنوات محور تحقيقات محلية وأوروبية تشتبه بأنه راكم أصولاً عقارية ومصرفية بشكل غير قانوني.

سنوات من الملاحقة بلا حكم

المفارقة أن هذا الملف الضخم لم يفضِ حتى اليوم إلى أي حكم قضائي. أُوقف سلامة أول مرة في أيلول 2024، وادّعى عليه القضاء بجرائم عدة بينها اختلاس أموال عامة وتزوير، قبل أن يُفرَج عنه في العام التالي مقابل كفالة تجاوزت 14 مليون دولار. ومنذ إخلاء سبيله في أيلول 2025، لم يحضر إلى قاعة المحكمة.

سلامة، البالغ 76 عاماً، ينفي باستمرار ارتكاب أي مخالفة، ويؤكد أنه يُستخدم كبش فداء لتحميله وحده مسؤولية انهيار مالي أوسع منه بكثير. هذا الخط الدفاعي رافق كل محطات القضية، وسط ملف تتداخل فيه المسؤوليات السياسية والمصرفية والرقابية.

اختبار للمحاسبة

يتجاوز توقيف سلامة كونه خبراً قضائياً. فهو يعيد إلى الواجهة سؤال المحاسبة الذي يلاحق الطبقة الحاكمة منذ انفجار الأزمة المالية عام 2019. لسنوات، بدا الرجل الذي أدار الليرة عصيّاً على المثول، بين وعكات صحية متكررة وجلسات مؤجلة. عودته إلى رومية تضع القضاء أمام امتحان عملي: هل يكمل المسار حتى حكم واضح، أم يبقى الملف معلّقاً كما بقيت ملفات كبرى قبله؟

الجواب لن يُقاس بمكان توقيف الحاكم السابق، بل بما ستنتجه المحاكمة. وحتى صدور أي حكم، يبقى سلامة متّهماً لا مُداناً، والقضية مفتوحة على احتمالات يتابعها لبنان الذي دفع، أكثر من غيره، ثمن سنوات الانهيار.