تُقاس الحروب عادةً بعدد الشهداء والبيوت المهدّمة، لكنها تُقاس أيضاً بأرقامٍ باردة تظهر بعد حين. الرقم الذي نشره البنك الدولي هذا الأسبوع واحدٌ منها: انكماشٌ متوقّع للاقتصاد اللبناني بنسبة 6.4% في عام 2026، بعد نموٍّ قُدّر بـ4.2% في 2025. في سنةٍ واحدة، انقلب المسار من تعافٍ وليدٍ إلى تراجعٍ حاد، والسبب الذي يسوقه البنك لا لبس فيه: الحرب.
من تعافٍ هشّ إلى انكماشٍ في عامٍ واحد
في تحديثه الاقتصادي الأخير لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، خفض البنك الدولي توقّعاته لعددٍ من اقتصادات المنطقة، وكان لبنان من أبرز المتراجعين. فبعد أن سجّل الاقتصاد نموّاً تقديرياً بلغ 4.2% في 2025، يُنتظر أن ينكمش بنسبة 6.4% في 2026، أي انقلابٌ كاملٌ في الاتجاه خلال اثني عشر شهراً.
وتقول كبيرة اقتصاديّي المنطقة في البنك الدولي، روبرتا غاتي، إن الصراع "مؤلمٌ جداً، وقد ركّز خسائره في منطقتنا، في حين يرفع الاقتصاد العالمي وبقية المناطق توقّعاتها، بينما نخفّض نحن توقّعاتنا بشكلٍ كبير". على مستوى المنطقة ككل، يتوقّع البنك انكماشاً بنسبة 2.1% في 2026، في مشهدٍ قاتمٍ تتقاسمه اقتصاداتٌ عدّة.
الحرب في صلب الرقم
لم يكتفِ البنك الدولي بعرض الرقم اللبناني مجرّداً، بل ربطه بسببٍ مباشر: تجدّد الأعمال العدائية الإسرائيلية ضدّ لبنان، الذي عكس مسار التعافي الذي بدأ يتلمّس طريقه في 2025. الحرب التي خاضها لبنان على أرضه لم تترك المدن والقرى الجنوبية وحدها تحت النار، بل امتدّ أثرها إلى الميزان الكلّي للاقتصاد: استثماراتٌ متوقّفة، قطاعٌ سياحيٌّ مرتبك، وثقةٌ مهزوزة لدى من يملك القرار بالإنفاق أو التوظيف.
هكذا يصبح الانكماش امتداداً للدمار لا منفصلاً عنه. فحين تُقصف البلدات وتُحرق المواسم ويُهجَّر الأهالي، لا تتوقّف الفاتورة عند حدود الجنوب، بل تنتقل إلى دفاتر الدولة كلّها. الرقم الذي يعلنه البنك الدولي هو، في جوهره، الوجه المحاسبيّ لما خسره الناس في الميدان.
الإعمار: الجسر الغائب
يعيد هذا الانكماش طرح السؤال الذي رافق مشروع موازنة 2027: من يدفع كلفة إعادة بناء ما هدمته الحرب؟ فالاقتصاد لا يستعيد عافيته بقرارٍ، بل بمسارٍ يعيد الإنتاج إلى الأرض التي عُطّلت، ويعيد الأهالي إلى بيوتهم وحقولهم. وما دام الإعمار معلّقاً بين التزاماتٍ معلنة وتمويلٍ غائب، يبقى التعافي وعداً مؤجّلاً، ويبقى الرقم السالب أقرب إلى القاعدة منه إلى الاستثناء.
ولعلّ الأخطر أن الركود لا يوزّع كلفته بالتساوي: المناطق التي تحمّلت الحرب مباشرةً هي الأبطأ تعافياً، لأن بنيتها الإنتاجية هي الأكثر تضرّراً. فالجنوب الذي قدّم الشهداء والأرض يجد نفسه أيضاً في مقدّمة من يدفع ثمن الانكماش.
الرقم في خدمة السياسة
لم يمرّ الرقم من دون أن يدخل السجال الداخلي. فقد استند رئيس الحكومة نوّاف سلام إلى توقّع الانكماش بنسبة 6.4% في معرض دفاعه عن مشروع موازنة 2027، مؤكّداً أنها "لا تتضمّن أيّ ضرائب جديدة". وهكذا يتحوّل المؤشّر الاقتصادي إلى ورقةٍ في النقاش السياسي حول الموازنة والأولويات، بين من يرى في ضبط الإنفاق شرطاً للثقة، ومن يرى في غياب خطّة إعمارٍ جدّية تهرّباً من الاستحقاق الأصعب.
أرقامٌ تثقل المعيشة
خلف النسبة الكلّية، تفاصيل تلمسها الأسر يومياً. فبحسب أرقامٍ للبنك الدولي نقلتها الصحافة الدولية، لا يزال التضخّم في لبنان فوق 15%، وإن كان قد تراجع عن ذروته في الأشهر الأولى للحرب، فيما ارتفعت أسعار البنزين بما لا يقلّ عن 40% وأسعار المازوت بأكثر من 80%. هذه الأرقام لا تظهر في نشرات النموّ وحدها، بل في فاتورة النقل والتدفئة والغذاء التي يسدّدها اللبنانيّون كلّ شهر.
وفي موازاة ذلك، يشارك وفدٌ لبناني يضمّ وزير المال وحاكم مصرف لبنان في الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك، حيث تتصدّر ملفّات الإصلاح المالي جدول الأعمال. غير أن أيّ مسارٍ إصلاحي يبقى معلّقاً ما لم يقترن بوقف النزيف على الأرض وبإطلاق إعادة الإعمار.
خلاصة
الرقم الذي أعلنه البنك الدولي، 6.4% انكماشاً في 2026، ليس حكماً على اقتصادٍ فحسب، بل شهادةٌ على كلفة الحرب حين تُحتسب بالأرقام. والطريق إلى عكس الاتجاه معروفٌ ولو كان شاقّاً: وقف العدوان، وإطلاق إعمار الجنوب، وبناء ثقةٍ تسمح بعودة الاستثمار. من دون ذلك، يبقى التعافي سطراً في بيانٍ، والانكماش واقعاً في الدفاتر وعلى موائد الناس.




