ليست إعادة الإعمار في لبنان مسألة نوايا، بل مسألة أرقام. وحين تُوضع الأرقام جنباً إلى جنب، تتكشّف هوّةٌ تكاد تكون مستحيلة الردم: من جهة، فاتورة دمارٍ تتجاوز أحد عشر مليار دولار؛ ومن جهة أخرى، مئتان وخمسون مليوناً جرى تأمينها فعلياً حتى اليوم. بين الرقمين، يقف أهل الجنوب على أطلال بيوتهم، ينتظرون أن تُترجم الوعود إلى إسمنتٍ وحجر.

الرقم الذي يلخّص العجز

أطلق البنك الدولي ما سمّاه «مشروع المساعدة الطارئة للبنان»، وهو إطار تمويلي بسقف مليار دولار. لكنّ المموَّل منه فعلياً لا يتعدّى قرضاً أولياً بمئتين وخمسين مليون دولار من البنك الدولي للإنشاء والتعمير، بينما يبقى نحو سبعمئة وخمسين مليوناً فجوة تمويلية غير مؤمّنة، ومكوّن أعمال إعادة الإعمار البالغ خمسمئة وخمسة وخمسين مليوناً غير مموّل بالكامل، وفق البنك الدولي. بكلامٍ آخر: الإطار معلن بمليار، والمتوافر منه رُبعُه، والباقي مجرّد عنوانٍ على ورق.

حجم الدمار يتجاوز كل التقديرات

في آذار 2025، قدّر البنك الدولي في تقييمه السريع للأضرار والاحتياجات الأضرار المادية بنحو ستة مليارات وثمانمئة مليون دولار، والخسائر الاقتصادية بسبعة مليارات ومئتي مليون، وإجمالي احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو أحد عشر مليار دولار. ويشكّل قطاع السكن وحده الحصّة الكبرى بنحو ستة مليارات وثلاثمئة مليون، أي سبعة وخمسين في المئة من المجموع. غير أنّ هذه الأرقام ليست سوى حدٍّ أدنى: فهي لا تغطّي سوى الأضرار المسجّلة حتى كانون الأول 2024، قبل موجات التصعيد اللاحقة.

وتكشف دراسة جيومكانية أصدرها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والمجلس الوطني للبحوث العلمية في حزيران 2026، بمقارنة صور الأقمار الاصطناعية بين تشرين الأول 2025 ونيسان 2026، عن أضرار مباشرة في الأبنية تتجاوز مليار دولار وثلاثمئة وثمانين مليوناً جنوب الليطاني وحده، شملت أكثر من أحد عشر ألف مبنى مدمّر كلياً. وهذا الرقم لا يحتسب أصلاً أضرار الطرق والجسور وشبكات الكهرباء والمياه والاتصالات.

وعودٌ على الورق

إلى جانب قرض البنك الدولي، أُعلن عن تعهّد قطري بنحو أربعمئة وأربعة وثلاثين مليون دولار موجّه أساساً لقطاع الطاقة. لكنّ المسافة بين التعهّد والصرف الفعلي تبقى، في التجربة اللبنانية، مسافةً طويلة ومحفوفة بالشروط. وقد بدأ فعلياً مشروع بقيمة مئتين وخمسين مليون دولار لإعادة تأهيل المرافق العامة المتضرّرة من الحرب، وفق ما أوردته وسائل إعلام لبنانية، وهو مبلغٌ يعالج جزءاً من البنية التحتية العامة، لا بيوت الناس.

حين يصبح الإعمار ملفاً سياسياً

لا يدور النقاش حول المال وحده. فمؤسسات مانحة ومراكز أبحاث تربط أيّ تمويلٍ جديد بإصلاحاتٍ في الحوكمة والشفافية وآليات الشراء، بعد تجربتَي إعمار ما بعد الحرب الأهلية وحرب 2006 اللتين أثقلتا الخزينة وتوزّعتا بين قنواتٍ متنافسة. هذا المطلب، في جوهره، مشروع. لكنّ الخطر أن تتحوّل الشروط إلى بوّابةٍ لتعطيل العودة، فيصبح الجنوبي رهينةَ مفاوضاتٍ لا ناقة له فيها ولا جمل، تماماً كما صار سقف خيمته رهينةَ قرارٍ في عاصمةٍ بعيدة.

الجنوب في الانتظار

خلف كلّ رقمٍ في هذه الجداول وجهٌ وبيتٌ وذاكرة. وحين يشكّل السكن سبعة وخمسين في المئة من فاتورة الإعمار، فهذا يعني أنّ المعركة الحقيقية ليست على الجسور والمعامل، بل على أسقف العائلات التي هُجّرت. أن يعود أهل الجنوب إلى قراهم ليس ترفاً تنمويّاً؛ إنه الاختبار الفعلي لجدّية الدولة في ألّا تترك أفقر مناطقها وأكثرها عرضةً للنسيان تدفع وحدها ثمن حربٍ لم تخترها.

خلاصة

الفجوة بين مئتي مليون متوافرة وأحد عشر ملياراً مطلوبة ليست تفصيلاً محاسبياً، بل هي السؤال الذي يقرّر مصير عشرات آلاف العائلات. فإمّا أن يتحوّل «إطار المليار» إلى تمويلٍ حقيقي ومتدرّج وشفّاف يُعيد الناس إلى بيوتهم، وإمّا أن يبقى عنواناً برّاقاً يُدار به الوقت بينما الجنوب ينتظر. والانتظار، في حسابات البشر لا الأرقام، له كلفةٌ لا يسجّلها أيّ تقرير.