على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، جلس رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام إلى الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، بحضور وزيرَي خارجية البلدين يوسف رجّي وأسعد الشيباني، ليعلنا معاً نيّة «فتح صفحة جديدة» بين بيروت ودمشق. لكن بين إعلان النيّة وتحويلها اتفاقاتٍ ملزمة تفصل مسافةٌ مليئة بملفات مؤجّلة منذ عقود.

قال سلام بعد اللقاء، في تصريح تلفزيوني، إنّ العمل جارٍ «على فتح صفحة جديدة مع الإخوة السوريين، وبناء العلاقات بين البلدين على الثقة وعدم التدخّل في الشؤون الداخلية والمصالح المشتركة». عبارة «عدم التدخّل» وحدها تختصر ثقل تاريخٍ لبناني مع الوصاية السورية، وتجعل من الصفحة الجديدة اختباراً لسيادة لبنان قبل أن تكون مشروع تعاون.

لقاءٌ في نيويورك يفتح الباب

لم يكن اللقاء معزولاً عن حراكٍ ديبلوماسي أوسع لسلام على هامش الجمعية العامة، إذ التقى أيضاً وزيرة الدولة الإماراتية لشؤون التعاون الدولي ريم الهاشمي، حيث بُحث التعاون في التحوّل الرقمي وتطوير الخدمات الحكومية، كما اجتمع بوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف. غير أنّ محور اللقاء مع الشرع بقي العلاقة الثنائية وآفاق ترتيبها على أسس جديدة، وفق ما نقلته وسائل إعلام.

اللجنة العليا المشتركة: من النيّة إلى الآلية

المخرَج العملي الأبرز كان الاتفاق على استكمال مراجعة الاتفاقات السابقة الموقّعة بين لبنان وسوريا، تمهيداً لعقد أوّل اجتماع للجنة العليا المشتركة اللبنانية-السورية. وأشار سلام إلى أنّ الاجتماع سيُعقد «مطلع الشهر المقبل، وإلا ففي الشهر الذي يليه».

مراجعة الاتفاقات ليست تفصيلاً تقنياً. فالإرث التعاهدي بين البلدين وُلد في حقبة اتسمت بخللٍ في التوازن لصالح دمشق، والعودة إليه اليوم تعني، من زاوية لبنانية، إعادة ضبط علاقةٍ طبعتها الوصاية لعقود، بما يعيد الاعتبار لمبدأ الندّية والسيادة.

الربط الإقليمي: كهرباء وسكك وطاقة

في الشقّ الاقتصادي، تحدّث سلام عن «تعزيز مشاريع الربط الإقليمي، ولا سيما في مجالات الكهرباء والسكك الحديدية والطاقة». وهذه ليست شعارات في بلدٍ يرزح تحت أزمة كهرباء مزمنة: فمرور خطوط الطاقة والغاز عبر الأراضي السورية شرطٌ لأي ربطٍ إقليمي يخفّف كلفة التيار على اللبنانيين، فيما تفتح ورشة إعادة إعمار سوريا أسواقاً محتملة أمام الشركات والعمالة اللبنانية. وقد ترافق هذا المسار مع أنشطة اقتصادية ثنائية في بيروت تناولت الاستثمار وإعادة الإعمار والبنى التحتية والنقل، بحسب ما أوردته وسائل إعلام.

ملفاتٌ ثقيلة تنتظر

يبقى أنّ الطريق إلى «الصفحة الجديدة» معبّدةٌ بملفات شائكة لم تُحسم: ترسيم الحدود البرية والبحرية بين البلدين، وملف المفقودين والموقوفين، وعودة النازحين السوريين، إلى جانب المراجعة الفعلية للاتفاقات القديمة التي طالما اعتُبرت غير متكافئة. وكلّها ملفات تمسّ مباشرةً حياة الناس على جانبَي الحدود، من مجتمعات الشمال والبقاع اللبنانية إلى القرى السورية المقابلة، أكثر مما تمسّ البيانات الرسمية.

أفقٌ مشروط

النيّة أُعلنت، والآلية حُدّد موعدها، لكنّ تحويل الكلام اتفاقاتٍ متوازنة يبقى رهن استكمال المراجعة ورهن ظروف إقليمية متقلّبة. الاختبار الحقيقي، كما يرى مراقبون، ليس في عدد اللقاءات بل في ما إذا كان التطبيع سيخدم سيادة لبنان ومصلحة مواطنه: كهرباء أرخص، وحدودٌ مرسّمة، ونازحون يعودون بكرامة، بدل إعادة إنتاج تبعيّات الماضي بثوبٍ جديد.