تتكاثر في الأشهر الأخيرة العناوين التي تبشّر بولادة "حلف إسلامي كبير" يجمع تركيا وإيران وباكستان والسعودية ومصر في جبهة واحدة، بعد سلسلة اتفاقات دفاعية غير مسبوقة وتقارب لافت بين عواصم كانت حتى الأمس متباعدة. لكنّ المسافة بين ما يُوقّع في القمم وما يمكن أن يصمد في الميدان تبقى شاسعة. فهل نحن فعلاً أمام تكتّل عسكري إسلامي جامع، أم أمام شبكة تفاهمات متقاطعة لكلٍّ منها حساباته؟ هذه قراءة في الوقائع، لا في الأمنيات.

ما الذي حدث فعلاً؟ الوقائع أولاً

الحديث عن تحالف لم يأتِ من فراغ. في السابع عشر من أيلول 2025، وقّعت السعودية وباكستان "اتفاقية الدفاع المشترك الاستراتيجي"، التي نصّت على اعتبار أي عدوان على أحد البلدين عدواناً عليهما معاً. ثم في السابع من آب 2026، أُعلن في مكة عن اتفاق دفاعي ثلاثي يضمّ السعودية وباكستان وتركيا، وصفته وسائل إعلام دولية بأنه توسيع للمظلّة الأمنية الخليجية-الإسلامية.

بالتوازي، نقلت وسائل إعلام أنّ القائم بأعمال وزير الدفاع الإيراني دعا مطلع آب 2026 إلى تشكيل "تحالف دفاعي إسلامي" مفتوح في وجه ما سمّاه التهديد الإسرائيلي. أمّا مصر، فحافظت على تنسيق أمني وثيق مع الرياض من دون الدخول في حلف معلن. هذه هي الوقائع الصلبة. كل ما عداها تأويل.

المحرّك الحقيقي: خوفٌ من إسرائيل، لا حبٌّ بين الحلفاء

ما يجمع هذه العواصم ليس مشروعاً سياسياً موحّداً، بل شعورٌ متصاعد بأنّ المظلّة الأمنية الأميركية لم تعد مضمونة. الضربة الإسرائيلية التي استهدفت الدوحة في أيلول 2025 كانت لحظة مفصلية: دولة خليجية تستضيف أكبر قاعدة أميركية في المنطقة تُقصف من دون أن يردعها الحليف الأميركي. من تلك اللحظة، بدأت عواصم الخليج تبحث عن ضمانات بديلة أو مكمّلة.

الرابط إذاً سلبي أكثر منه إيجابي: خوفٌ مشترك من قوة إسرائيلية باتت تضرب أينما شاءت، وقلقٌ من تراجع الالتزام الأميركي. والتحالفات التي تُبنى على الخوف من عدو مشترك تصمد ما دام الخوف قائماً، وتتفكّك حين تتغيّر الحسابات.

العقدة الإيرانية: لماذا يصعب أن تكون طهران داخل الحلف نفسه

هنا مكمن الوهم الأكبر في فكرة "حلف الخمسة". الاتفاقات الدفاعية السنّية القائمة — السعودية وباكستان وتركيا — لا تستهدف إسرائيل وحدها في وعي صانعيها؛ فبعضها وُلد تاريخياً في سياق ردع النفوذ الإيراني في الخليج واليمن. أن تجلس إيران والسعودية تحت سقف حلف عسكري واحد يعني تجاوز عقود من التنافس المذهبي والجيوسياسي في اليمن وسوريا والعراق ولبنان.

صحيح أنّ الاتفاق السعودي-الإيراني برعاية صينية في 2023 خفّف التوتر، لكنّ المصالحة الدبلوماسية شيء والتحالف العسكري شيء آخر. لا يمكن لباكستان أن تضمن أمن السعودية ضد إيران وأمن إيران في آن واحد. ولهذا فإنّ أقصى ما يمكن تصوّره واقعياً هو تنسيق موازٍ: محور سنّي (الرياض-إسلام أباد-أنقرة-القاهرة) في جهة، وطهران تتحرّك على خطّ متوازٍ من دون اندماج.

تركيا ومصر: تقاربٌ حديث فوق جراح قديمة

حتى داخل المحور السنّي نفسه، الصورة ليست ناصعة. العلاقة بين تركيا ومصر خرجت لتوّها من قطيعة دامت عشر سنوات منذ 2013، ولم تُستأنف العلاقات الدبلوماسية الكاملة إلا حديثاً. الخلاف على ملفات ليبيا وشرق المتوسط والإخوان المسلمين لم يُدفن، بل جُمّد. كذلك تحمل أنقرة طموحاً إقليمياً قيادياً لا تراه القاهرة ولا الرياض بالضرورة بعين الرضا.

هذه ليست تفاصيل ثانوية. التحالفات العسكرية تتطلّب ثقة استراتيجية عميقة وقيادة موحّدة وعقيدة قتالية مشتركة، وكلّها غائبة اليوم بين لاعبين ما زالوا يتحسّسون خطوط بعضهم البعض.

القيود البنيوية: لا قيادة موحّدة ولا اقتصاد مستقل

تتجاوز العقبات السياسة إلى البنية. فالدول الخمس ترتبط اقتصادياً وعسكرياً بالولايات المتحدة وأنظمة تسليحها؛ السعودية ومصر تعتمدان على السلاح الأميركي، وباكستان على مساعدات وقروض مؤسسات يهيمن عليها الغرب، وتركيا عضو في حلف الناتو نفسه. حلفٌ يوجَّه ضد إسرائيل حليفة واشنطن يضع هذه الدول أمام تناقض مباشر مع مصالحها الحيوية.

يضاف إلى ذلك غياب أي هيكل مؤسسي: لا قيادة أركان مشتركة، لا عقيدة موحّدة، لا سلسلة قرار واضحة. ما هو قائم عبارة عن اتفاقات ثنائية وثلاثية متراكبة، لا حلف واحد بمعنى حلف وارسو أو الناتو. المسمّى "تحالف إسلامي" يصف نيّةً أكثر مما يصف مؤسسة.

إذاً، ما الواقعي وما المتخيَّل؟

الواقعي أنّ شبكة من الالتزامات الدفاعية الثنائية والثلاثية تتشكّل فعلاً، وأنها تعبّر عن إعادة تموضع استراتيجي جدّي بعد اهتزاز الثقة بالضمانة الأميركية. الواقعي أيضاً أنّ الردع النووي الباكستاني بات ورقة تلوّح بها الرياض ضمنياً.

المتخيَّل هو القفزة من هذه الشبكة إلى "جيش إسلامي موحّد" يضمّ الخمسة بقيادة واحدة ضد إسرائيل. هذا سقفٌ سياسي وإعلامي أعلى بكثير من الأرضية الميدانية. التكتّل الجنيني قائم، لكنه سنّي الطابع، مرن، غير مؤسسي، ومحكوم بحسابات كل عاصمة على حدة. أمّا إدماج إيران فيه فيبقى، حتى الآن، أقرب إلى الشعار منه إلى الخطّة.

وأين لبنان من كل هذا؟

بينما تتبادل العواصم توقيع مواثيق الدفاع المشترك، يواصل الجنوب اللبناني تلقّي الغارات من دون أن تتحرّك مظلّة أحد. تُرفع الشعارات عن "ردع إسرائيل" في القمم، وتُقصف أنصار وعلي الطاهر وإقليم التفاح على الأرض من دون أن تُطلق رصاصة دفاعاً عنها. هنا تظهر المفارقة الأقسى: أنّ أكثر المناطق العربية اكتواءً بالنار الإسرائيلية هي الأبعد عن أي حلف يُفترض أنه وُلد لردع تلك النار.

قد تنضج هذه التكتّلات يوماً، وقد تبقى حبراً على ورق. لكن ما لا ينتظر النضج هو الأرض التي تُقصف اليوم، وأهلها الذين تعلّموا أنّ الحماية الوحيدة المضمونة هي ما يصنعونه بأيديهم، لا ما يُوقَّع في العواصم البعيدة.