في نهاية جلسةٍ امتدّت يومين تحت قبة البرلمان، خرج مجلس النواب بالنتيجة المتوقّعة: تجديد الثقة بحكومة نواف سلام. لكنّ الرقم لم يكن هو الحدث. الحدث كان في الطريقة: من غادر القاعة كي لا يقول 'لا'، ومن رفع صوته فوق الاصطفافات، ومن أدار الفوضى من دون أن تنقلب إلى فراغ. جلسةٌ كثُر فيها الكلام وقلّت الحلول، فيما ظلّ الجنوب يُقصَف على بعد ساعاتٍ من العاصمة.
الثقة بالأرقام
بحضور 82 نائباً في الجلسة المسائية، نالت الحكومة الثقة بـ68 صوتاً، مقابل 12 صوتاً بحجب الثقة صدرت عن نواب تكتل لبنان القوي، وامتناع نائبين هما حليمة قعقور وجهاد الصمد. جاء التصويت بعد ردّ رئيس الحكومة على المداخلات، وطلب النائب جبران باسيل طرح الثقة، مطالباً الرئيس نبيه برّي بتحديد جلسة استجواب، وهو ما وعد به برّي.
حصيلة الأرقام تقول إن الحكومة عبرت الامتحان. لكنها تخفي، كما لاحظ محلّلون، توافقاً اضطرارياً على تجنّب الفراغ أكثر منه تصويتاً على أداءٍ أقنع الجميع.
الحزب يغادر بدل أن يقول لا
المشهد الأبرز لم يكن في خانة 'نعم' أو 'لا'، بل في المقاعد التي أُخليت. فنواب حزب الله غادروا القاعة لحظة طرح الثقة، فلم يحجبوها ولم يمنحوها. موقفٌ لافت لأن للحزب وزراء داخل حكومة سلام نفسها، أي أنه شريكٌ في السلطة التنفيذية ومنسحبٌ من التصويت على الثقة بها في آنٍ واحد.
في المقابل، اختارت كتلة التنمية والتحرير التي يتزعّمها الرئيس برّي أن تبقى وتصوّت لمصلحة الثقة، ولو على مضض، في تعبيرٍ عن أن حركة أمل فضّلت البقاء داخل اللعبة المؤسسية بدل الخروج منها. وبين البقاء والانسحاب، قرأ مراقبون في مغادرة الحزب مؤشراً إلى حجم الانقسام الوطني في إدارة ملفّي السيادة والحدود، لا مجرّد مناورة إجرائية عابرة.
قعقور: صوتٌ فوق الاصطفاف
في جلسةٍ غلب عليها الخطاب الحزبي والمزايدات، برزت مداخلة النائبة حليمة قعقور بنبرةٍ مختلفة. لم تتهرّب من الملفات الأكثر حساسية، بل قاربتها من زاوية الدولة والسيادة والمواطنة. قالت بوضوح: 'ممنوع إيران تفاوض عنّا، نحن نفاوض'، لكنها في الوقت نفسه تمسّكت بحصرية السلاح وقرار الدولة، رابطةً ذلك لا بتجريد لبنان من عناصر قوّته، بل بضرورة جيشٍ قوي قادر على حماية الأرض والناس في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية المتكرّرة.
وفي نقدها لاتفاق الإطار، لم تجامل: 'يا عيب الشوم على هيك اتفاق'، معتبرةً أن الفريق المفاوض تنازل عن حقّين أساسيين للبنان هما حق مقاضاة إسرائيل على جرائم الحرب وحق الدفاع عن النفس. ثم تجاوزت القاموس الطائفي بعبارةٍ تداولها كثيرون: 'نحن كلنا شيعة عندما يُضرب الشيعي'، ناقلةً السؤال من 'من يمثّل الطائفة؟' إلى 'كيف تحمي الدولة كل مواطنيها؟'.
ولم تكن مساءلتها للسيادة أحاديّة الاتجاه. فبعد أن رحّبت بقرار وزارة الخارجية بشأن السفير الإيراني، سألت إن كانت الحكومة تجرؤ على موقفٍ مماثل تجاه واشنطن، أو حتى على إدانة تصريح السفير الأميركي الذي اعتبر أن لإسرائيل 'الحق بالرد عشرة أضعاف'، خاتمةً بعبارةٍ لاذعة: 'أو سيادة بسمنة وسيادة بزيت؟'. بهذا وضعت الرفضين في كفّةٍ واحدة: لا طهران تفاوض عن لبنان، ولا واشنطن تُملي عليه شروط سيادته.
هذا التموضع، الذي يرفض ثنائية 'مع السلاح أو ضدّه' لصالح معادلة أعقد قوامها دولة قادرة وجيش قوي وسيادة غير شكلية، هو ما جعل مداخلتها الأكثر لفتاً في الجلسة، والأوسع تداولاً خارج القاعة.
عراضات ومناوشات
على الضفة الأخرى من الصورة، قدّم بعض النواب مشهداً أقلّ إشراقاً. فكلّما اقترب النقاش من الحرب والسلاح والمقاومة، ارتفع منسوب التوتر. اشتبك النائبان إيهاب حمادة وميشال معوض، ودخل على الخط زياد حواط. تبادل الطرفان تهم 'الكذب على الناس'، قبل أن يذهب السجال إلى حدّ اتهام حمادة القوات اللبنانية بأنها 'قوات إسرائيلية على البلد'، وسط اعتراضاتٍ ومقاطعاتٍ عمّت القاعة.
وبدا أن كثيراً من الكلام لم يلامس هموم الناس. النائب وضّاح الصادق اختصر المشهد بجملة: 'سمعنا الكثير من الكلام ولم نسمع أي حل'، سائلاً عن المياه والكهرباء وأموال المودعين. أما الحكومة، فبقيت في موقع المتلقّي: وزراء حاضرون في مقاعدهم من دون أن يدخلوا فعلياً في الدفاع عن خياراتهم، حتى بدت الجلسة كأنها أُعطيت للبرلمان كي يتكلّم، وللحكومة كي تستمع.
برّي يمسك الإيقاع
في إدارة هذا المشهد المتوتّر، بدا رئيس المجلس نبيه برّي، أطول رؤساء البرلمان ولايةً وأكثرهم دُربةً على ضبط قاعةٍ منقسمة، أقلّ تشدّداً في تطبيق قاعدة الدقائق الخمس. ترك هامشاً أوسع لمن لديه موقف مترابط، فأتاح لنوابٍ مثل ملحم خلف وحليمة قعقور استكمال مداخلاتهم في ملفات اتفاق الإطار والجنوب والسلاح.
لم يكن ذلك تخلّياً عن زمام الجلسة، بل خيار مَن يعرف متى يترك النقاش يأخذ مداه ومتى يعيده إلى مساره. حتى حين بدأ 'جَلَده' ينفد ورغب في إنهاء الجلسة، أبقى المجال مفتوحاً أمام من تبقّى من النواب ليسجّلوا مواقفهم كاملة. إدارةٌ هادئة لرجلٍ صار، على مدى عقود، الثابت الوحيد في مجلسٍ تتبدّل حوله كل التوازنات.
والجنوب في الخارج
يبقى أن أبلغ ما في الجلسة كان خارجها. فبينما تُبادل النواب الاتهامات في بيروت، كان ملحم خلف يذكّر بأن التدمير مستمرّ في الجنوب، وأن السؤال عن 'حسن النية' في اتفاق الإطار يُطرح فيما القرى تُقصَف والناس يُهجَّرون. الثقة تُمنَح وتُحجَب تحت القبة، لكنّ من يدفع الثمن الأكبر ما زال بعيداً عن الطاولة: أهل الجنوب الذين يُتحدَّث باسمهم كثيراً، ويُسمَع صوتهم قليلاً. وهذا، وحده، أثقل من كل الأرقام.





