في آذار 1974، وقف رجلُ دينٍ فارع القامة، أسود العمامة، على منبرٍ في بعلبك أمام نحو مئة ألفٍ احتشدوا في العراء، وأطلق قسَماً بقي محفوراً في الذاكرة اللبنانية: "لن نهدأ ولن نسكت حتى لا يبقى محرومٌ أو منطقةٌ محرومة في لبنان". لم يكن الإمام موسى الصدر يومها يخاطب طائفةً بعينها؛ كان يسمّي جرحاً وطنياً: أطراف البلد المنسيّة، من الجنوب إلى البقاع إلى عكار، التي تركتها الدولة على هامش عمرانها وخدماتها.

بعد ثمانيةٍ وأربعين عاماً، وفي ذكرى تغييبه التي تحلّ في الحادي والثلاثين من آب، يبدو أنّ السؤال الذي وضعه في قلب السياسة اللبنانية لم يُغلق. فالجنوب الذي نهض اسمُه على وجعه عاد اليوم إلى واجهة الحرمان، لكن بوجهٍ أقسى: قرى مدمّرة، نازحون بالآلاف، بنى تحتية منهارة، وأطماعٌ إسرائيلية قديمة تعود لتطلّ من فوق التلال. فهل عاد، فعلاً، زمن المحرومين؟

من كان موسى الصدر ولماذا يهمّ اليوم؟

وُلد موسى الصدر في مدينة قم عام 1928، وقدِم إلى مدينة صور في مطلع الستينيات ليتولّى شؤون الطائفة الشيعية هناك. لكنّه لم يكتفِ بالدور الديني التقليدي؛ بل حوّل مسألة الحرمان الاجتماعي إلى قضيةٍ سياسية. في عام 1969 انتُخب أوّل رئيسٍ للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، فمنح جماعةً واسعة إطاراً مؤسسياً وصوتاً في الدولة، بعدما كانت بلا تمثيلٍ فعلي.

ثم غُيِّب في 31 آب 1978 خلال زيارةٍ رسمية إلى ليبيا، ولا تزال ملابسات اختفائه قيد التحقيق حتى اليوم، في ملفٍّ لم يُغلق قضائياً ولا في الوجدان الشعبي. ومع ذلك، فإنّ ما يبقيه حاضراً ليس لغز غيابه، بل السؤال الذي طرحه على البلد كله: كيف تعامل دولةٌ أطرافها؟

ماذا كانت "حركة المحرومين" فعلاً؟

في آذار 1974 دعا الصدر إلى مهرجانٍ حاشد في بعلبك حضره نحو مئة ألف، تبعه مهرجانٌ في صور في أيار حضره أكثر من مئةٍ وخمسين ألفاً، حيث وُلدت "حركة المحرومين". جوهرها لم يكن مطلباً طائفياً بل صرخة عدالةٍ في وجه الإهمال. والدليل الأوضح أنّ "وثيقة المثقفين" المؤيّدة للحركة وقّعها أكثر من 190 شخصية من قادة الفكر والرأي، يمثّلون مختلف الطوائف والفئات اللبنانية.

يُضاف إلى ذلك أنّ الصدر اشتُهر بالانفتاح على المسيحيين، وخطب في الكنائس، ورفع شعار "الأديان في خدمة الإنسان". وحين أسّس عام 1975 "أفواج المقاومة اللبنانية" (أمل)، قدّمها إطاراً لحماية الأطراف المنكوبة لا أداةً لطائفة. باختصار، كان مشروعه أن يُقرأ الحرمان بوصفه ظلماً وطنياً، لا حصّةً في تقاسم الغنائم.

لماذا كان الجنوب "محروماً"، ولماذا بقي أهله لبنانيين قبل كل شيء؟

تشير دراساتٌ تاريخية واجتماعية إلى أنّ جبل عامل والبقاع كانا من أكثر المناطق حرماناً من الطرق والمدارس والمستشفيات والكهرباء، منذ العهد العثماني مروراً بالانتداب وصولاً إلى الدولة المستقلّة التي وزّعت عمرانها بشكلٍ غير متكافئ. هذا الإهمال المزمن هو ما خاطبه الصدر حين تحدث عن "المحرومين".

ومع ذلك، لم يتحوّل هذا الحرمان يوماً إلى نزعةٍ انفصالية. بقي أبناء الجنوب جزءاً من النسيج الوطني: في مؤسسات الدولة والجيش والثقافة، وفي هجرةٍ واسعة غذّت الاقتصاد اللبناني بتحويلاتها. عمودٌ من أعمدة الكيان، حمل هويته الوطنية حتى وهو على الهامش. وهنا مفارقة الجنوب: الأكثر تضحيةً بالأرض والدم، والأقلّ حصةً في العمران والقرار.

هل عاد زمن الحرمان؟

ما يجعل سؤال الصدر معاصراً هو أنّ الجنوب يعيش اليوم موجة حرمانٍ جديدة، أشدّ من سابقتها. فالحرب الإسرائيلية خلّفت قرى مدمّرة وبلداتٍ مهجورة، ودفعت آلاف العائلات إلى النزوح مجدّداً نحو الشمال، بحسب تقارير أممية ومنظمات إغاثة. الإعمار متعثّر ومرهونٌ بمسار التفاوض والانسحاب، فيما تبقى الدولة حاضرةً في الخطاب أكثر منها في إعادة بناء ما تهدّم.

حتى الذاكرة والحجر لم يسلما: أدرجت اليونسكو خمساً من قلاع جبل عامل على لائحة التراث العالمي المهدَّد بالخطر إثر الاعتداءات الإسرائيلية. حين يُستهدف تراث المنطقة كما تُستهدف بيوت أهلها، يصبح الحرمان أعمق من الاقتصاد: إنه حرمانٌ من الأمان ومن المستقبل ومن حقّ الناس في البقاء على أرضهم.

الأطماع الإسرائيلية: الجذر الأقدم للحرمان الجديد

لا يُفهم حرمان الجنوب اليوم بمعزلٍ عن جذرٍ أقدم: الأطماع الإسرائيلية بالأرض والماء. فبحسب دراساتٍ تاريخية ومؤسسة الدراسات الفلسطينية، سعى مؤسّسو إسرائيل، ومنهم دافيد بن غوريون، إلى جعل نهر الليطاني حدوداً "طبيعية" للدولة الجديدة، بذريعة أنّ لبنان لا يستثمر مياهه. ولم يكن حضور الليطاني في الحسابات الإسرائيلية عابراً؛ فقد ظلّ النهر في قلب الصراع في حروب 1978 و1993 و1996 و2006، ضمن ما تعتبره أدبيات الاحتلال امتداداً نحو "الجليل الشمالي".

هذه الخلفية تمنح الحرب الأخيرة معناها الأبعد. فاستمرار الغارات على الجسور والبنى التحتية جنوبي الليطاني ربطه خبراء عسكريون، في تصريحاتٍ لقناة الجزيرة، بالأطماع في مياه النهر لا بمجرّد الملاحقة الأمنية. وذهب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى حدّ الزعم بأنّ قواته "عبرت الليطاني وسيطرت على مواقع استراتيجية" — وهو ادّعاءٌ يعكس، بصرف النظر عن دقّته الميدانية، عقليةً توسّعية ترى في الجنوب حديقةً خلفية وخزّاناً مائياً.

هكذا يتضاعف حرمان الجنوب: إهمال دولةٍ من الداخل، وتصميمٌ خارجي يُبقي المنطقة جبهةً مفتوحة، فلا تستقرّ ولا تُعمَّر. ما سمّاه الصدر "الحرمان" لم يكن يوماً مجرّد فقرٍ عابر؛ كان — ولا يزال — نتاج معادلةٍ تُبقي الأطراف على الحافة.

ما معنى "رفع الحرمان" اليوم؟

ليست استعادة الصدر حنيناً إلى رجلٍ واحد، ولا رفعاً لرايةٍ طائفية. جوهر إرثه مطلبٌ مدني بسيط وعنيد: دولةٌ تحمي كلّ محروميها، من الجنوب إلى عكار، وتصون أرضهم ومياههم من الأطماع، وتعيد إعمار ما هدمته الحرب لا بوصفه منّةً بل حقاً.

يبقى السؤال مفتوحاً، كما تركه الصدر نفسه حين حذّر من استبدال "النظام الإقطاعي بطبقةٍ سياسية على ظهر بعضها بعضاً": هل يجد الجنوب من يحمل سؤال الحرمان من دون أن يختزله في زعامةٍ أو طائفة؟ فالأربعة والثمانون عاماً على ولادة الرجل، والثمانية والأربعون على غيابه، لم تُطفئ سؤاله. بل إنّ زمن المحرومين، على ما يبدو، لم ينتهِ بعد.