قبل يومين، كانت عربصاليم على موعدٍ مع عرس. يوم الخميس، صار الموعد مع عزاء. في هذه المسافة القصيرة، بين الزفّة والغارة، اختصرت سجى موسى شرارة ما يعنيه أن تكون ابنة الجنوب في زمن العدوان.

غارةٌ على منزلٍ في قلب البلدة

وفق الوكالة الوطنية للإعلام كما نقلتها وكالة الأناضول، أغار الطيران الحربي الإسرائيلي على منزلٍ في وسط بلدة عربصاليم بمنطقة إقليم التفاح، ما أدّى إلى تدميره واستشهاد المواطنة سجى موسى شرارة وإصابة عددٍ من الأشخاص. ولم يكن ذلك كل شيء؛ فقد جدّد الطيران غاراته على البلدة نفسها مرة ثانية خلال أقل من عشر دقائق، لتُسجَّل إصاباتٌ جديدة.

وأشارت الوكالة إلى أنّ شرارة كانت قد احتفلت بزواجها قبل 48 ساعة فقط من استشهادها. جملةٌ واحدة تكفي لتلخيص المسافة بين فرحٍ لم يكتمل وخبرٍ لم يُنتظَر.

يومٌ من أوسع أيام العدوان

لم تكن عربصاليم وحدها في مرمى النار. ففي قضاء النبطية، شنّ الطيران غاراتٍ على بلدة النبطية الفوقا استهدفت إحداها منزلاً فدمّرته، فيما نفّذت مسيّرة غارةً على البلدة على دفعتين، وألقت أخرى قنبلتين صوتيتين في دوحة كفررمان. وفي قضاء مرجعيون، تعرّضت منطقة الشريقة في بلدة الخيام لقصفٍ مدفعي، وفي قضاء صور قُصفت المنصوري، بينما حلّقت مسيّرة إسرائيلية على علوٍ منخفض فوق الضاحية الجنوبية لبيروت، وفق الوكالة الوطنية.

ومن جانب الاحتلال، زعمت القناة 12 الإسرائيلية أنّ الجيش شنّ غاراته 'ردّاً' على إطلاق مسيّرتين مفخّختين ليلاً على قواته. وهي روايةٌ بقيت على لسان الاحتلال وحده، فيما كانت حصيلتها على الأرض منزلاً مدمّراً وعروساً تحت الركام.

وجهٌ واحد لثمنٍ ثقيل

تُروى الحروب عادةً بلغة الأرقام: عدد الغارات، عدد البلدات، عدد الجرحى. لكنّ سجى شرارة ليست رقماً. هي اسمٌ وعرسٌ وبيتٌ وعائلةٌ كانت قبل يومين تُوزّع الحلوى، وباتت اليوم تتقبّل العزاء. وخلفها في إقليم التفاح والنبطية عشرات القرى التي تعيش الإيقاع نفسه: إنذارٌ بالإخلاء، ثم غارة، ثم منزلٌ يُضاف إلى قائمة ما لم يعد صالحاً للسكن.

هذه هي الصورة التي كثيراً ما تغيب عن طاولات المفاوضات في روما وعن بيانات الحلفاء: أنّ الثمن الأول للعدوان لا تدفعه الملفات الدبلوماسية، بل تدفعه وجوهٌ كوجه سجى، من أبناء الجنوب الذين لا تُذكر أسماؤهم إلا حين يسقطون. ومن هؤلاء بالذات، لا من غيرهم، يُفترض أن يبدأ أيّ حديثٍ عن حمايةٍ أو استقرار.