على تلّةٍ تطلّ على نهر الليطاني، أنزلت اليونيفيل علمها ورفع الجيش اللبناني علمه. مشهدٌ صغير في الخردلي يوم الخميس، لكنّه يختصر تحوّلاً كبيراً: القوة الدولية التي رافقت الجنوب نحو نصف قرن تبدأ مغادرته، والجيش اللبناني يتقدّم ليملأ المكان، موقعاً بعد موقع. فبحسب الوكالة الوطنية للإعلام، سُلّم موقع الخردلي-الليطاني إلى اللواء السابع، ضمن خطةٍ لنقل مواقع اليونيفيل تباعاً قبل انتهاء مهمّتها في نهاية العام.
عدّادٌ يقترب من الصفر
لم يعُد رحيل «القبعات الزرق» فرضيةً بعيدة. فقد قرّر مجلس الأمن الدولي إنهاء ولاية اليونيفيل مع نهاية عام 2026، على أن تتوقّف عمليات القوة في الحادي والثلاثين من كانون الأول. وبين اليوم وذلك التاريخ، تتحوّل مواقع القوة الدولية الواحد تلو الآخر إلى عهدة الجيش اللبناني، في عمليةٍ تُدار بهدوء بعيداً عن الأضواء، لكنّها ترسم ملامح مرحلةٍ جديدة في جنوبٍ لم يعرف الاستقرار منذ عقود.
نصف قرنٍ من القبعات الزرق
جاءت اليونيفيل إلى جنوب لبنان عام 1978، غداة الاجتياح الإسرائيلي الأول، بمهمّةٍ عنوانها مراقبة وقف الأعمال العدائية ودعم عودة سلطة الدولة اللبنانية إلى المنطقة الحدودية. ومع القرار 1701 عام 2006، اتّسع دورها لمواكبة انتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني. طوال هذه السنوات، كانت القوة الدولية جزءاً من مشهد الجنوب اليومي: دورياتها على الطرقات، مواقعها على التلال، وعلاقتها المتوترة أحياناً مع الأهالي. رحيلها ليس تفصيلاً إدارياً، بل نهاية فصلٍ كامل في تاريخ المنطقة.
الجيش أمام امتحان الفراغ
السؤال الذي يفرض نفسه: من يملأ الفراغ؟ رسمياً، الجواب هو الجيش اللبناني، الذي يُفترض أن يبسط سلطته الحصرية على الجنوب حتى الحدود. وهو ما تريده الدولة اللبنانية وتتمسّك به: أن تكون سيادتها هي المرجع الوحيد على أرضها. لكنّ المهمّة ثقيلة؛ فالجيش يخوضها في ظلّ أزمةٍ اقتصادية خانقة تنهك قدراته، وعلى أرضٍ ما زالت إسرائيل تخرقها برّاً وجوّاً. تسلّم المواقع خطوةٌ في اتجاه السيادة، لكنّ ترجمتها إلى أمنٍ فعلي رهنٌ بدعمٍ يتجاوز رفع الأعلام.
جنوبٌ تحت الاعتداء
يجري كلّ هذا بينما لم تتوقّف الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب وأهله. فالخروق الجوية شبه يومية، والغارات تطال البلدات الحدودية بين حينٍ وآخر، وتسقط ضحايا وشهداء بين المدنيين. في هذا السياق، يكتسب انسحاب القوة الدولية بعداً إضافياً من القلق: من يوثّق الانتهاكات؟ ومن يشكّل، ولو رمزياً، حاجزاً بين الأهالي وآلة الحرب؟ الجنوبيون الذين اعتادوا حضور القبعات الزرق يجدون أنفسهم أمام معادلةٍ جديدة، عنوانها الأبرز أنّهم قد يُتركون وحدهم في مواجهة عدوٍّ لا يتوقّف.
سيادةٌ تُبنى على الأرض
خلف لغة القرارات الأممية وجداول التسليم، ثمة حقيقةٌ بسيطة: أنّ سيادة الدولة لا تُستكمل ما لم تصل إلى آخر تلّةٍ في الجنوب، وأنّ أهل هذه الأرض هم أول من يدفع ثمن أيّ فراغ. تسلّم الجيش مواقع اليونيفيل خطوةٌ في المسار الصحيح، لكنّها تبقى ناقصةً ما دام العدوان مستمراً والحدود منتهَكة. المطلوب ليس مجرّد استبدال علمٍ بعلم، بل دولةٌ قادرة على حماية ناسها في الجنوب كما في سائر لبنان. يبقى السؤال معلّقاً: هل تكون مرحلة ما بعد اليونيفيل بداية استعادةٍ حقيقية للسيادة، أم فصلاً جديداً من الوحدة أمام إسرائيل؟




