وصل رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني إلى بيروت الخميس في زيارةٍ رسمية تستمر يومين، استقبله خلالها رئيس الحكومة نواف سلام في مطار بيروت. ويلتقي الضيف القطري الرئيس جوزاف عون وقائد الجيش ورئيس مجلس النواب نبيه بري، على أن يختتم زيارته مساء الجمعة بمؤتمر صحافي مشترك مع سلام يعرض فيه نتائج المحادثات وحجم الدعم القطري للبنان.

تأتي الزيارة في لحظةٍ شديدة الحساسية: جنوب لبنان يتعرّض لقصفٍ إسرائيلي شبه يومي رغم وقف إطلاق النار، والحكومة تبحث عن سندٍ عربي يثبّت التهدئة ويخفّف الضغط الميداني. وبحسب صحيفة "النهار"، فإن أهمية الدور القطري لا تقتصر على حجم الأموال التي تقدّمها الدوحة، بل تشمل قدرتها على التواصل مع أطرافٍ لبنانية متباينة وعلاقاتها الإقليمية والدولية واستعدادها لدعم الجيش ومؤسسات الدولة.

ماذا تطلب بيروت من الدوحة

تتركّز المحادثات القطرية اللبنانية، وفق ما نقلت صحيفة "المدن"، على ثلاثة ملفات: دعم الجيش اللبناني، وإعادة إعمار ما دمّرته الحرب، وملف الطاقة والكهرباء، إضافةً إلى خفض التوتر الإقليمي وتثبيت وقف النار. ويراهن الجانب اللبناني، كما نقلت وسائل إعلام عربية، على دور الدوحة في تثبيت الهدنة وتعزيز الدعم العربي في ظل التصعيد الإسرائيلي المستمر.

الرسالة التي تريد بيروت إيصالها واضحة: لبنان لا يملك وحده أدوات الضغط لوقف الاعتداءات أو لإطلاق ورشة إعمار، وهو يبحث عن ظهيرٍ عربي قادرٍ على فتح أبوابٍ موصدة في واشنطن وتل أبيب.

المظلّة العربية: قطر والسعودية

لا تتحرّك الدوحة منفردة. فبحسب "المدن"، تنسّق قطر مع دولٍ في الإقليم، وخصوصاً المملكة العربية السعودية، لتوفير الدعم للبنان وتشكيل مظلّةٍ سياسية تحميه. وتعمل الرياض بدورها على إقناع واشنطن بصيغة تسوية بشأن مهمّة قوات حفظ السلام في الجنوب، بالتنسيق مع الدولة اللبنانية.

هذا التنسيق الخليجي المزدوج يمنح بيروت هامشاً تفاوضياً أوسع، لكنه يكشف في الوقت نفسه هشاشة الموقف اللبناني: الدعم يأتي من الخارج، والقرار النهائي في ما يخصّ الجنوب يبقى معلّقاً على توازناتٍ إقليمية ودولية لا يتحكّم بها لبنان.

سجلّ الدعم القطري

ليست الدوحة طارئةً على الملف اللبناني. فعلى مدى السنوات الماضية، أسهمت قطر في دعم رواتب عناصر الجيش اللبناني، وفي مشاريع الطاقة والكهرباء، وفي إعادة إعمار بلداتٍ في الجنوب، إضافةً إلى محاولات وساطة بين لبنان وإسرائيل، وفق ما تناقلته وسائل إعلام عربية ولبنانية.

هذا السجلّ يمنح الزيارة الحالية ثقلاً عملياً لا رمزياً فحسب. فالجيش اللبناني، الذي يُطلب منه أن يملأ الفراغ جنوب الليطاني بعد نهاية مهمّة اليونيفيل أواخر 2026، يحتاج إلى تمويلٍ ثابت لرواتبه وتجهيزه. ودعمٌ قطري متجدّد في هذا الباب يمسّ مباشرةً قدرة الدولة على بسط سلطتها في الجنوب.

الشرط الأميركي يكبح الإعمار

يصطدم ملف إعادة الإعمار بعقبةٍ أساسية. فبينما يجري بحثٌ دولي وأميركي لعقد مؤتمرٍ خاص بإعادة إعمار لبنان، يشترط الأميركيون تحقيق تقدّمٍ من الدولة اللبنانية في ملف سحب سلاح حزب الله قبل إطلاق أي ورشة، وفق ما نقلت وسائل إعلام لبنانية.

وفي الوقت نفسه، ترفض واشنطن أي مهمّةٍ دولية "غير فعّالة" في الجنوب، في إشارةٍ إلى موقفها من مستقبل قوات حفظ السلام. بهذا يصبح الدعم العربي، مهما كان سخياً، محكوماً بسقفٍ سياسي أميركي: المال موجود، لكن صرفه على الإعمار مشروطٌ بملفٍ داخلي لبناني شائك لم يُحسم بعد.

الجنوب في انتظار ما يتجاوز الرمز

خلف لغة البيانات والمؤتمرات الصحافية، هناك قرى في قضاءي صور وبنت جبيل والنبطية ما زالت تُقصف، وأهلٌ نزحوا ولم يعودوا، وبيوتٌ تنتظر حجراً يُعاد. بالنسبة إلى هؤلاء، لا تُقاس أي زيارةٍ خارجية بعدد اللقاءات أو حرارة الكلمات، بل بما يصل فعلاً إلى أرضهم.

تبقى زيارة رئيس الوزراء القطري اختباراً لحدود الدعم العربي: هل يتحوّل إلى رواتب تُصرف وبيوتٍ تُبنى وحمايةٍ تُلمس في الجنوب، أم يظلّ مظلّةً سياسية فوق رؤوس المفاوضين وحدهم؟ الجواب لن يُقرأ في المؤتمر الصحافي مساء الجمعة، بل في الأشهر المقبلة، على الأرض التي تدفع وحدها فاتورة الانتظار.