في مدينة صور، عند نقطة تسليمٍ نظّمتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، عاد مالك غازي إلى أرضه وأهله بعد أشهرٍ في الأسر. مشهدٌ صغيرٌ في حجمه، كبيرٌ في معناه لعائلةٍ جنوبية انتظرت طويلاً. غازي، ابن بلدة عين عطا في راشيا، أوقفته إسرائيل قرب جبل الشيخ، وبقي محتجزاً حتى الخميس. هو الأول بين خمسة محتجزين مدنيين لبنانيين، يُنتظر الإفراج عن أربعةٍ منهم الجمعة، وفق ما نقلته وكالات دولية.
ما الذي حدث بالضبط
أكّدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أنّها سهّلت تسليم غازي إلى الجيش اللبناني في صور، ونقلت وكالتا DW وأسوشيتد برس تفاصيل الإفراج نقلاً عن مسؤولين لبنانيين. الأرقام واضحة: خمسة محتجزين، الأول عاد والباقون على الطريق. أمّا مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فأقرّ في بيانٍ بأنّ هؤلاء مدنيون لا صلة لهم بأيّ نشاط مسلّح، وأنّه لا مبرّر لاستمرار احتجازهم. اعترافٌ لافت: توقيفٌ دام أشهراً لأشخاصٍ تبيّن أنّهم أبرياء، ليصبح الإفراج عنهم لاحقاً بادرة حسن نيّة تُوظَّف سياسياً.
الوساطة الأميركية والملفّ الإنساني
لم يأتِ التوقيت مصادفة. فبحسب Time News وThe National، جرى الإفراج بتنسيقٍ مع الولايات المتحدة، وفيما بدت المفاوضات غير المباشرة بين بيروت وتل أبيب قد بلغت طريقاً مسدوداً. الوساطة الأميركية، كما نقلت صحف عربية، سعت إلى إدراج الملفّ الإنساني، وفي القلب منه المحتجزون المدنيون، ضمن مسار جولة روما الثامنة، بوصفه مدخلاً لإعادة تحريك تفاوضٍ متعثّر. بهذا المعنى، يتحوّل الملفّ الإنساني إلى ورقةٍ تفاوضية، تُقدَّم بالقطّارة لكسب الوقت أو تليين المواقف.
اليد الأخرى: توقيفٌ واقتحام
لكنّ الصورة ليست وردية. ففي الساعات نفسها التي أُعلن فيها عن الإفراج، كانت إسرائيل تواصل عملياتها في القرى الحدودية: توقيف مدنيين، اقتحامات، وتدمير منازل. تزامنٌ يكشف تناقض المسارين في آنٍ واحد: يدٌ تُفرج عن محتجزين قديمين، ويدٌ تصنع محتجزين جُدداً وتضغط ميدانياً على الأرض اللبنانية. هذا التناقض ليس تفصيلاً، بل جوهر المشهد: الإفراج الإنساني لا يوقف الاعتداء، بل يجري بالتوازي معه.
البعد المنسيّ للأسر
خلف كلمة محتجزين، وجوهٌ وعائلات. أشخاصٌ من قرى الجنوب والبقاع الغربي وراشيا، أوقفوا وهم في حياتهم اليومية، قرب حقلٍ أو على طريقٍ جبلية، فغابوا أشهراً خلف الأسوار من دون تهمةٍ واضحة. عائلاتهم انتظرت في صمت، بلا صوتٍ يعلو ولا كاميرا تلاحق قصصهم. هؤلاء هم الوجه الأكثر هشاشة في معادلة الجنوب: مدنيون عاديون، لا حول لهم في لعبة التفاوض الكبرى، يدفعون ثمن جغرافيا وُلدوا فيها. أيّ تسويةٍ عادلة تُقاس أولاً بمدى إنصافها لهم، لا بعدد الجولات التفاوضية.
ما ينتظر روما
يبقى الإفراج عن غازي ورفاقه خطوةً جزئية في ملفٍّ أوسع: محتجزون آخرون، مفقودون لم يُعرف مصيرهم، وأرضٌ لا تزال تحت الضغط. جولة روما الثامنة ستكون اختباراً لما إذا كان الملفّ الإنساني سيتحوّل إلى مسارٍ ثابت لعودة كلّ المحتجزين والكشف عن المفقودين، أم سيبقى ورقةً تُلوَّح بها عند الحاجة. الأكيد أنّ عودة شابٍّ واحد إلى صور لا تُنسي أنّ خلفه قصصاً كثيرة لم تكتمل بعد.





