في زوطر الغربية، جنوبي لبنان، لا يبدأ موسم الزيتون هذا العام بموعدٍ على الرزنامة، بل بسؤالٍ مرير: هل يُسمح لصاحب الأرض بالوصول إلى شجره؟ المزارعون الذين تقع بساتينهم قرب مواقع القوات الإسرائيلية باتوا مضطرّين، وفق ما نقلت وكالة رويترز من البلدة، إلى طلب إذنٍ عبر آلية تنسيقٍ تقودها الولايات المتحدة بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي، لمجرّد قطف زيتونهم. سخر بعضهم من عبثية أن يُطلب الإذن من واشنطن لقطف أرضٍ ورثوها عن أجدادهم، وخشي آخرون أن تأتي الموافقة بعد فوات أوان الحصاد. في هذا التفصيل الصغير يختصر الجنوب مأزقه الكبير: عودةٌ منقوصة إلى أرضٍ لا تزال تحت أنظار المسيّرات.

زوطر الغربية: عودةٌ منقوصة

تروي مريم الياغي، ابنة زوطر الغربية، لرويترز كيف تتفادى الزجاج المهشّم على أرضية منزلها لتبلغ شرفتها، فتطلّ على آليات عسكرية إسرائيلية تتحرّك في بلدةٍ مجاورة لا تزال محتلّة. في الليل تسمع أصوات الدوريات الإسرائيلية القريبة، وفي النهار تلاحقها مسيّرة صغيرة وهي تعمل في حديقتها. أشجار الزيتون التي اعتنت بها عقوداً اقتُلعت من جذورها، وامتدّت آثار جنازير الدبابات عبر أرضها. عادت مع بدء موسم القطاف تبحث عمّا تبقّى، لكنّ قلّة من جيرانها فقط عادوا بعدما سُوّيت منازلهم بالأرض.

هذه الصورة ليست استثناءً. فأكثر من مليون لبناني نزحوا قبل نحو سبعة أشهر حين شنّت إسرائيل غاراتها واجتياحها البري بالتوازي مع حربها على إيران، وبات إنهاء الحرب في لبنان شرطاً إيرانياً دفع واشنطن إلى الضغط لبلوغ وقفٍ لإطلاق النار في حزيران. ومع ذلك، واصل جيش الاحتلال ضرباته التي أوقعت عشرات الشهداء والجرحى، ولا يزال يحتلّ أراضي لبنانية بحجّة "منطقة أمنية" أعلنها من جانبٍ واحد وتضمّ عشرات القرى، دُمّر كثيرٌ منها.

"المنطقة التجريبية" التي لم تتكرّر

كانت القوات الإسرائيلية قد انسحبت من زوطر الغربية في تموز الماضي، في أوّل اختبارٍ لخطة "المنطقة التجريبية" المدعومة أميركياً، والتي تقضي بانسحابٍ إسرائيلي تدريجي من الجنوب مقابل نزع سلاح حزب الله. لكن بعد شهرين، لم يُتَّفق على أي "منطقة تجريبية" أخرى، ويقول أهالي البلدة إنّ تجربتهم ليست نموذجاً يُحتذى.

رئيس بلدية زوطر الغربية عبدو عز الدين قال لرويترز إنّ البرنامج "لم ينجح"، ويعزو ذلك أساساً إلى استمرار انقطاع الخدمات العامة، من كهرباء ومياه جارية. عادت نحو سبعين عائلة، يعيش معظمها في الأجزاء السليمة من منازلها، لأنّ ذلك بدا خياراً أفضل من دفع إيجاراتٍ في الخارج أو البقاء في مراكز الإيواء. وسلّم مجلس الجنوب، التابع للدولة، ستة عشر منزلاً جاهزاً لأسرٍ باتت بيوتها غير صالحة للسكن، لكنّ معظمها بقي خالياً لغياب الكهرباء والماء. أمّا زوطر الشرقية، توأم البلدة، فلا تزال محتلّة وتُنفَّذ فيها عمليات هدمٍ ممنهجة.

إذنٌ لقطف الزيتون

ما يجري في زوطر يتكرّر على امتداد الشريط الحدودي. فموسم الزيتون في قرى الجنوب ليس موسماً زراعياً فحسب، بل موعدٌ سنوي مع الأرض ومصدر دخلٍ لعائلات وطقسٌ اجتماعي تتوارثه الأجيال، غير أنّ خريف هذا العام مختلف. في منطقة مرجعيون، بحسب موقع "آي أم لبنان"، يشكّل وجود الجيش الإسرائيلي عند أطراف عددٍ من البلدات أحد أبرز التحديات أمام مزارعي الزيتون. وفي بلدة تولين، نقل موقع "ليبانون ديبايت" أنّ أصحاب الأراضي في وادي الشحانية - القلواني يواجهون إغلاق الطريق المؤدية إلى أرزاقهم منذ نحو ثلاثة أشهر.

على النقيض، تبدو قرى منطقة صيدا - الزهراني، التي لم تطلها الحرب بالقدر نفسه، في وضعٍ أهدأ؛ إذ أفادت صحيفة "النهار" بأنّ القطاف انطلق فيها كالمعتاد مع بداية الشهر. المسافة القصيرة بين جنوبٍ يقطف بطمأنينة وآخر يستجدي إذناً للوصول إلى شجره تختصر عمق الجرح: الخطّ الفاصل ليس جغرافياً فحسب، بل خطّ احتلالٍ يقرّر من يصل إلى أرضه ومن يُمنع.

جنوبٌ تحت الأنظار

يقول الجيش الإسرائيلي لرويترز إنّ العمل على "إزالة التهديد" الذي تمثّله أسلحة حزب الله لم يكتمل بعد، وإنّ المسيّرات تُستخدم لرصد التهديدات، وإنّ القيود على حركة السكان تهدف إلى حماية قواته. أمّا متحدّثٌ باسم الخارجية الأميركية فزعم أنّ مسار "المنطقة التجريبية" هو "الطريق الوحيد القابل للتطبيق" لأمن لبنان وإسرائيل، وأنّ المنطقة ستتوسّع بعد أن ينفّذ الجيش اللبناني عمليات تمشيط، وأنّ نزع سلاح حزب الله "جزءٌ لا يتجزأ" من العملية.

على الأرض، يبقى المشهد اليومي بعيداً عن هذه العناوين. فقد تواصل القصف المدفعي والتفجيرات على بلداتٍ جنوبية، مع تحليقٍ مكثّف للمسيّرات على علوٍّ منخفض في أجواء صور ومحيطها، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. وبين قريةٍ تُهدَم منازلها وأخرى يُمنع أهلها من زيتونهم، يعيش الجنوبيّ عودةً تحت الوصاية، لا عودةً إلى السيادة.

الدولة الموعودة

في بيروت، أكّد الرئيس جوزيف عون، خلال استقباله السيناتور الأميركي جيمس لانكفورد بحضور السفير الأميركي ميشال عيسى، أنّ إسرائيل تخالف مضمون "اتفاق الإطار" وتواصل أعمالها العدوانية في القرى الجنوبية. وشدّد على التزام لبنان بتنفيذ الاتفاق وسعيه للضغط على إسرائيل للتقيّد به، وعلى ضرورة وقف تدمير المنازل في البلدات المحتلّة واستكمال إعادة الأسرى، مشيراً إلى "توق أبناء الجنوب لبسط سلطة الدولة ونشر الجيش حتى الحدود المعترف بها دولياً".

لكنّ ما يختبره أهل زوطر هو المسافة بين الدولة الموعودة والدولة الغائبة: منازل جاهزة بلا كهرباء، وطرقات مقطوعة، وإذنٌ أجنبي لقطف الزيتون. تلك هي المعادلة التي يدفع ثمنها من لا صوت لهم، أبناء القرى الحدودية الذين اعتادوا أن يُذكروا في البيانات ويُنسوا في التفاصيل.

خلاصة

موسم الزيتون، في جنوبٍ يُفترض أنّه خرج من الحرب، صار مرآةً لعودةٍ منقوصة: أرضٌ تُقطف بإذنٍ من واشنطن، وخدماتٌ لم تعد، واحتلالٌ لم ينسحب. ما لم تُستكمل عودة الخدمات وبسط سلطة الدولة حتى الحدود، سيبقى القطاف طقساً تحت الوصاية، ويبقى سؤال الجنوبيّ معلّقاً: متى تعود الأرض أرضَه، لا مساحةً ينتظر الإذن ليطأها؟