في آب 2025، وتحت ضغطٍ أميركي، اتخذ مجلس الأمن قراراً بدا يومها تفصيلاً في ملفٍ تقني: إنهاء مهمة قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) التي رابطت في الجنوب نحو خمسة عقود. القرار 2790 مدّد الولاية مرة أخيرة حتى الحادي والثلاثين من كانون الأول 2026، على أن تبدأ بعدها عملية انسحابٍ تدريجي لقوةٍ يقارب عديدها سبعة آلاف عنصر. لكن الأرض التي بُني عليها ذلك القرار لم تعد الأرض نفسها. فبين توقيعه واليوم، تجدّدت الحرب، واحتلّت إسرائيل شريطاً من الجنوب، وسقط أكثر من أربعة آلاف شهيد. والسؤال الذي يطرحه لبنان الآن بسيط وثقيل في آن: من يبقى شاهداً على الجنوب حين تُطوى الخوذ الزرق؟

قرارٌ اتُّخذ في زمنٍ آخر

حين صوّت مجلس الأمن في آب 2025 على القرار 2790، كان المنطق المعلن هو طيّ صفحة مهمةٍ رأى فيها راعوها الأميركيون أنها استنفدت دورها. حُدِّدت نهاية الولاية في نهاية 2026، وبدا الأمر خاتمةً منظّمة لوجودٍ دولي انطلق عام 1978. غير أن ذلك التصويت جرى قبل أشهر من المنعطف الذي غيّر كل شيء. فالحسابات التي قامت عليها فكرة الانسحاب صيغت في لحظة هدوءٍ نسبي، لا في لحظة حربٍ مفتوحة واحتلالٍ متجدّد. وهذه المفارقة هي جوهر ما يحاول لبنان أن يقوله اليوم: القرار سليم في نصّه، لكنه صار غريباً عن واقعه.

الأرض تبدّلت: احتلالٌ ونار

منذ الثاني من آذار، تاريخ تجدّد الحرب على الجنوب، انقلب المشهد الأمني رأساً على عقب. باتت إسرائيل تحتلّ شريطاً بعمق نحو عشرة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، تصفه بـ«المنطقة العازلة»، فيما تتواصل الغارات على البلدات المأهولة شمال هذا الشريط. وبحسب وزارة الصحة اللبنانية، تجاوز عدد الشهداء في لبنان منذ آذار أربعة آلاف وثلاثمئة شهيد. في مثل هذا السياق، يصبح الحديث عن انسحاب القوة الدولية في موعدها المقرّر حديثاً عن رفع الغطاء عن منطقةٍ لا تزال تحت النار والاحتلال، لا عن إغلاق ملفٍ هادئ.

رسالة بيروت: «سابقٌ لأوانه»

في رسالةٍ بتاريخ السادس والعشرين من آب وُزّعت على أعضاء مجلس الأمن، اعتبر مندوب لبنان الدائم لدى الأمم المتحدة أحمد عرفة أن إنهاء المهمة يبدو «سابقاً لأوانه» في ضوء ما استجدّ منذ الثاني من آذار. وحذّر من أن الإنهاء المتسرّع قد يخلق «فراغاً أمنياً» يضرّ بجهود الدولة اللبنانية ومن يعملون على تثبيت الاستقرار. وأكّد لبنان في رسالته التزامه الكامل بالقرار 1701، وباتفاق وقف الأعمال العدائية الموقّع في تشرين الثاني 2024، وبالإطار الثلاثي الذي يجمع لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة والموقّع في السادس والعشرين من حزيران.

كما شكّك لبنان في جدوى الخيارات التي رسمها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في تقريره الصادر في الأول من حزيران لمرحلة ما بعد اليونيفيل، معتبراً أنها بُنيت على مشاورات سابقة للمنعطف الأخير، وأنها «قد لا تعكس الوقائع الجديدة». وخلص عرفة إلى أن تمديد اليونيفيل لفترةٍ محدودة هو الخيار الأكثر واقعية، بالنظر إلى خبرتها الميدانية وبنيتها اللوجستية وقبولها لدى الأهالي والدولة على السواء.

ماذا بعد الخوذ الزرق؟

خلف السجال الدبلوماسي، سؤالٌ يخصّ أهل الجنوب قبل غيرهم. فاليونيفيل، على كل ما وُجّه إليها من انتقادات حول محدودية صلاحياتها، بقيت لعقودٍ الحضور الدولي الوحيد على تلك الحدود، والعين التي توثّق الخروق وتشكّل حاجزاً رمزياً بين السكان والاحتلال. رحيلها من دون بديلٍ واضح يعني أن الجنوب سيواجه الاحتلال والغارات من دون شاهدٍ دولي مقيم.

المواقف الدولية متباينة. فبحسب صحيفة فايننشال تايمز، تميل فرنسا وعددٌ من الأعضاء إلى تمديد المهمة، فيما تعارض إسرائيل بقاءها، وتقف واشنطن التي دفعت أصلاً نحو الإنهاء في موقعٍ حاسم داخل المجلس. أما الرئيس نبيه بري، فجدّد القول إن استمرار الوجود الدولي في الجنوب ضرورة لا ترف. بين هذه المواقف، يبقى الرهان الأصعب لبنانياً هو ألّا يتحوّل انسحاب القوة الدولية إلى ضوءٍ أخضر لمزيدٍ من التوغّل، وألّا يُترَك الجنوب، مرة أخرى، وحيداً في مواجهة مصيره.