انفجر غضب المودعين اللبنانيين في شوارع بيروت أمس الخميس، حين تحوّلت ست سنوات من الأموال المحتجزة في المصارف إلى مواجهاتٍ مع القوى الأمنية، وواجهاتِ بنوكٍ تُحطَّم وتُضرم فيها النيران، ووزيرٍ سابقٍ يُضرب في رأسه. تزامن ذلك مع انتهاء بعثة صندوق النقد الدولي زيارتها، وتقدُّم قانونٍ للانتظام المالي يرفضه المودعون. خلف المشهد سؤالٌ واحد لم يتغيّر منذ 2019: من يدفع فاتورة الانهيار، وهل يُدفع الثمن من جيوب من خسروا أصلاً كل شيء؟

يومٌ من المواجهات في قلب العاصمة

دعت جمعية «صرخة المودعين» إلى تحرّكٍ وسط بيروت للمطالبة باستعادة الودائع المحتجزة. وبحسب ما نقلته وسائل إعلام عربية، من بينها «التلفزيون العربي» و«القدس العربي» ومراسل وكالة الأناضول، شهد محيط وزارتَي المالية والاقتصاد توتراً ميدانياً ومواجهاتٍ عنيفة بين مئات المحتجين والقوى الأمنية، أسفرت عن إصابات. وأفادت الجمعية بأن بعض المحتجين هاجموا عدداً من المصارف وأضرموا النار في واجهاتها، فيما قُطعت طرقات وأُحرقت إطارات.

وشارك في التحرّك وزير المهجرين السابق عصام شرف الدين، الذي تعرّض للضرب وأُصيب في رأسه من دون أن تتوضّح حالته الصحية، وفق ما أوردته المصادر نفسها. وفي موازاة اعتصام المودعين، نفّذ سائقون عموميون تحرّكاً في ساحة الشهداء احتجاجاً على ارتفاع كلفة المحروقات وأوضاع قطاع النقل، ما ضاعف من احتقان الشارع في عاصمةٍ تختنق بأزماتها.

قانون «الانتظام المالي» في قلب الغضب

لم يكن التحرّك مجرّد تنفيسٍ عن يأس، بل رسالة رفضٍ لما يُعرف بقانون «الانتظام المالي». يخشى المودعون أن تُكرّس الخطة الحكومية، تحت عنوان معالجة الفجوة في الميزانيات، شطبَ جزءٍ من ودائعهم لحماية المصارف من تحمّل الخسائر كاملةً. وقد وصف عصام شرف الدين هذا القانون بأنه «بدعة يجب أن تُلغى»، معبّراً عن موقفٍ يتقاسمه كثيرٌ من المتضرّرين الذين يرون في أي إعادة هيكلةٍ محاولةً لتقنين مصادرة أموالهم.

يأتي هذا فيما اختتمت بعثة صندوق النقد الدولي زيارتها إلى بيروت، وهي الزيارة التي وضعت ملف توزيع الخسائر على رأس جدول أعمالها. والمسألة نفسها كانت محور نقاشٍ حادّ بين الصندوق وحاكم مصرف لبنان حول من يتحمّل الكلفة: الدولة، أم المصارف، أم المودعون. مشروع القانون المطروح يَعِد بحماية الودائع حتى مئة ألف دولار، لكن ما فوق ذلك يبقى في دائرة الغموض والقلق.

ست سنوات من الأبواب المغلقة

منذ خريف 2019، حين فرضت المصارف قيوداً غير قانونية على السحوبات والتحويلات، وجد اللبنانيون أنفسهم محرومين من مدّخرات أعمارهم بين ليلةٍ وضحاها. لم تُقرّ الدولة قانوناً واضحاً ينظّم هذه القيود، فتُرك الناس لمصير الاقتطاعات المتدرّجة وأسعار الصرف المتعدّدة التي التهمت قيمة ما تبقّى. ستّ سنوات مرّت، وما زال صاحب الوديعة الصغيرة يقف أمام باب مصرفٍ مغلق، لا يعرف متى ولا كيف سيستعيد ماله، إن استعاده.

هذا الغضب الذي انفجر في الشارع ليس حدثاً معزولاً، بل حصيلة سنواتٍ من الشعور بأن كلفة الأزمة تُوزَّع على الأضعف. فبينما تتفاوض المؤسسات والقوى الكبرى حول الأرقام والنسب، يبقى الموظف والمتقاعد وصاحب المتجر الصغير خارج الطاولة، يدفعون يومياً ثمن قرارٍ لم يشاركوا في صنعه.

معركة من يدفع الثمن

تختصر مواجهات الأمس معركةً أعمق: من يتحمّل خسائر الانهيار المصرفي المقدّرة بعشرات المليارات؟ الجواب الذي يخشاه المودعون هو أن يُحسم الأمر فوق رؤوسهم، عبر قانونٍ وإعادة هيكلةٍ تُبرمان في غرف مغلقة، بينما هم في الشارع. وما لم تُقدَّم خطةٌ تُعيد للمودع الصغير حقّه أولاً، لا للمصرف الذي أدار الأزمة، فإن صرخة الأمس لن تكون الأخيرة. فالناس الذين خسروا مدّخراتهم لم يعد لديهم ما يخسرونه سوى صبرهم، وهو ينفد.