تنعقد هذا الأسبوع في بيروت جولةٌ جديدة من المحادثات بين لبنان وصندوق النقد الدولي، بدأت الثلاثاء 15 أيلول 2026 وتستمر حتى الجمعة. لكن خلف العنوان التقني الجاف يكمن السؤال الأثقل في مسار التعافي: من يدفع فاتورة انهيارٍ التهم مدّخرات مئات آلاف اللبنانيين منذ خريف 2019؟ أصحاب المصارف، أم الدولة من المال العام، أم المودعون أنفسهم؟

بعثةٌ من أربعة أيام وملفّان

تتركّز اجتماعات البعثة، التي تتخذ من وزارة المالية مقرّاً رئيسياً لها، على ملفّين متشابكين. الأول هو التعديلات المطلوبة على مشروع قانون معالجة الفجوة المالية، الذي أقرّه مجلس الوزراء ويُفترض أن يناقَش في لجنة المال والموازنة النيابية قريباً. والثاني هو الإطار المالي المتوسّط الأجل، الذي سيخضع بدوره لتعديلات في ضوء تأثيرات الحرب على مالية الدولة وإيراداتها. وعقدت البعثة جلستين مع مصرف لبنان في فندق فينيسيا، امتدّتا نحو خمس ساعات بين الثلاثاء والأربعاء.

السؤال الذي يخيف: من يتحمّل الخسائر؟

القانون في صيغته الحالية يعتمد مقاربةً تضمن تسديد كل وديعةٍ حتى سقف مئة ألف دولار، وهي عتبةٌ تغطّي الغالبية الساحقة من الحسابات وتحمي صغار المودعين تحديداً. أما آلية توزيع الخسائر فتقوم على تراتبيّة الحقوق: يتحمّل أصحاب أسهم المصارف الشريحة الأولى من الخسائر، قبل الانتقال تدريجياً إلى المودعين على قاعدة «الأصول غير المنتظمة». غير أن مصرف لبنان ما زال يطالب باحتساب الرساميل التي ضخّها أصحاب المصارف بعد الأزمة ضمن مساهمات إعادة الرسملة، بما يحيّدها عن تحمّل أي خسائر لاحقاً، وهي نقطةٌ تصبّ في مصلحة المصرفيين.

صندوق النقد مقابل حاكم المصرف المركزي

تكشف النقاشات تبايناً واضحاً في الأولويات. يحمل الصندوق أسئلةً عن تأثير الحرب في حجم الاحتياطات والتدفّقات النقدية المستقبلية، ويطالب بتقييم واقعيّة الفرضيّات التي يقوم عليها المشروع، ومدى قدرة مصرف لبنان فعلياً على الإيفاء بموجباته. كما يشدّد على تحديد مسؤولية الدولة عن خسائر المصرف المركزي بدقّة، وبطريقة تحدّ من تحميل المال العام كلفة إعادة هيكلة القطاع.

في المقابل، يطرح حاكم مصرف لبنان مقاربةً معاكسة: تمديد المهلة الممنوحة لتسديد الودائع حتى مئة ألف دولار، وتمديد آجال السندات الطويلة، تخفيفاً للضغط على السيولة. والأهم أنه يصرّ على رفع حصّة الدولة من كلفة الخسائر لتبلغ نحو أربعةٍ وعشرين مليار دولار، فيما يكتفي مشروع القانون الراهن بذكر مسؤولية الدولة عن إعادة رسملة مصرفها المركزي من دون تحديد نطاقها. الترجمة العملية لهذا الخلاف بسيطة: كلما زادت حصّة الدولة، زاد العبء على المال العام، أي على دافعي الضرائب.

الحكومة: «لسنا من صنع الأزمة»

افتتح وزير المالية ياسين جابر اجتماعات البعثة مؤكداً أن الحوار حول القانون يهدف إلى صيغةٍ «ما يكون فيها خسائر للمودعين»، بل اعتماد طريقة سدادٍ تخفّف الخسائر وتعيد أموال المودعين «ضمن الوضع الذي وصلنا إليه». وشدّد على أن الحكومة الحالية «ليست من صنع الأزمة». لكن بين وعد استعادة الودائع كاملةً وواقع الاحتياطات المحدودة، تبقى المسافة شاسعة، وهي بالضبط ما تحاول البعثة قياسه هذا الأسبوع.

ما ينتظره صغار المودعين

منذ ستّ سنوات، يعيش مئات آلاف اللبنانيين على وعودٍ متجدّدة باستعادة مدّخراتٍ جُمّدت في المصارف. وفي كل جولةٍ تفاوضية، تُختصر مصائرهم بأرقامٍ ونسبٍ وجداول. المعركة الحقيقية ليست تقنية فحسب، بل هي معركة أولويّات: هل تُصان ودائع الناس العاديين أولاً، أم تُحمى رساميل من صنعوا شروط الأزمة؟ الإجابة التي ستخرج من طاولة فينيسيا لن تكون معادلةً محاسبية باردة، بل حكماً على قدرة اللبناني العادي على استعادة ثقته بدولةٍ ومصارف خذلته طويلاً.