يكاد الممرّ المائي الأهمّ لتجارة الطاقة في العالم أن يكون مقفلاً منذ نحو ستة أشهر. فمنذ الثامن والعشرين من شباط 2026، تحوّل مضيق هرمز، عند مدخل الخليج، إلى جبهةٍ في حربٍ لم تخترها شعوب المنطقة: إيران في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل. النتيجة صدمةُ طاقةٍ توصف بأنها الأكبر منذ سبعينات القرن الماضي، وفاتورةٌ يدفعها قبل غيرهم مستوردو النفط وأفقر الاقتصادات العربية.

ماذا جرى في هرمز؟

مع إطلاق الحرب الجوية الأميركية الإسرائيلية على إيران في نهاية شباط، ردّ الحرس الثوري الإيراني بمنع الملاحة في المضيق، فأوقف سفناً تجارية وفتّشها، وزرع ألغاماً بحرية في الممرّ، بحسب ما نقلته وكالات الأنباء الدولية. وفي السابع والعشرين من آذار، أعلن الحرس الثوري إغلاق المضيق أمام أي سفينة متّجهة إلى موانئ الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهما أو قادمة منها، وفق وكالة الصحافة الفرنسية. سرعان ما تراجع عدد الناقلات العابرة إلى ما يقارب الصفر. وبين الثالث عشر من نيسان والتاسع والعشرين من أيار، فرضت واشنطن في المقابل حصاراً بحرياً على الموانئ الإيرانية.

صدمةٌ بحجم السبعينات

قبل الحرب، كان نحو 25 في المئة من النفط المنقول بحراً في العالم و20 في المئة من الغاز الطبيعي المسال يعبران هذا الممرّ الضيّق. توقّف هذا الشريان دفع الأسعار إلى الأعلى بوتيرة غير مسبوقة: تجاوز برميل خام برنت مئة دولار في الثامن من آذار للمرة الأولى منذ أربع سنوات، وبلغ ذروته عند 126 دولاراً، في أكبر ارتفاع شهري يُسجَّل في تاريخ سوق النفط، بحسب بيانات نقلتها رويترز وصحف اقتصادية. ويصف محلّلون الأزمة بأنها أوسع اضطرابٍ يصيب إمدادات الطاقة العالمية منذ أزمة السبعينات. ولم يتوقّف الأثر عند النفط، إذ طاول ارتفاع الأسعار أسواقاً أخرى مثل الألمنيوم والأسمدة والهيليوم.

عشرون ألف بحّار في المصيدة

خلف أرقام الأسواق، مأساةٌ إنسانية صامتة. ففي الحادي والعشرين من نيسان، أحصت المنظمة البحرية الدولية نحو عشرين ألف بحّار وألفَي سفينة عالقين داخل الخليج بفعل الإقفال، عالقين بين نيران الحرب وحسابات شركات الشحن. ومنذ بدء الأزمة، لقي سبعة عشر بحّاراً وعامل ميناءٍ واحد حتفهم، وأصيب عشرة آخرون، وفق حصيلةٍ أوردتها مصادر بحرية دولية. هؤلاء، في معظمهم من عمّال البحر الآسيويين والعرب، هم الوجه المنسيّ لحربٍ تُدار فوق رؤوسهم.

الخليج يبحث عن مخارج

أمام احتمال طول الأزمة، بدأت دول الخليج تعيد رسم خرائط نفطها. فبحسب صحيفة «نيويورك تايمز»، تجري السعودية والإمارات محادثات لتوسيع مخزوناتها من الخام في الخارج، وتحديداً في كوريا الجنوبية واليابان، بحثاً عن أمانٍ بعيداً من الممرّات البحرية التي باتت هشّة، من هجمات الحوثيين في البحر الأحمر إلى مضيق هرمز المقفل. وفي تموز، أعلنت السعودية وثلاث عشرة دولة أخرى تحالفاً بحرياً لتأمين حرية الملاحة في باب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن، وفق الجزيرة. وتشير رويترز إلى أن السوق باتت تُسعّر أزمةً طويلة الأمد في هرمز، لا انفراجاً قريباً.

ولبنان في مهبّ الريح

لبنان، الذي يستورد كامل حاجته من المحروقات ويعتمد عليها في توليد الكهرباء، من أكثر البلدان هشاشةً أمام أي ارتفاع مستدام في أسعار الطاقة. فكل قفزةٍ في سعر البرميل تُترجَم مباشرةً كلفةً إضافية على المولّدات والنقل والغذاء، في اقتصادٍ يتوقّع البنك الدولي أن ينكمش هذا العام. الأزمة التي تبدو بعيدة، في مضيقٍ لا يطلّ عليه لبنان، تصل إليه سريعاً عبر فاتورة المازوت وصفيحة البنزين.

إلى أين؟

تقول طهران إن المضيق سيبقى مغلقاً، وإن اتفاقاً بوساطة عُمانية بات «في مراحله النهائية» لكنه يتطلّب خطوةً أميركية أولاً، بحسب رويترز. في المقابل، لوّحت إيران بهجومٍ جديد فيما استبعدت واشنطن تمديد المهل. بين هذا وذاك، يبقى ربع النفط البحري في العالم رهينة ممرٍّ لا يتجاوز عرضه في أضيق نقاطه بضعة أميال، وتبقى شعوب المنطقة تدفع ثمن قرارٍ لم تُستشَر فيه.