على بُعد كيلومترات قليلة من خطٍّ ترسمه دبابات الاحتلال في الجولان، جلس وفدٌ سوري ووفدٌ إسرائيلي إلى طاولةٍ واحدة في الأردن يوم الأحد. لم يكن اللقاء اعترافاً بسلام، بل محاولةً لوقف نزيفٍ فرضته الغارات. ومن هذا المشهد، حيث يُملى التفاوض بمنطق القوة، يقرأ لبنان ما ينتظر جنوبه.

اجتماعٌ في عمّان تحت وطأة الغارات

نقلت وكالة الأنباء السورية (سانا) عن مصدرٍ دبلوماسي في وزارة الخارجية أنّ وفداً سورياً رفيع المستوى عقد محادثات مع «وفدٍ إسرائيلي رفيع» في الأردن، برعايةٍ أميركية. وذكرت وكالة فرانس برس أنّ وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني التقى رئيس جهاز الاستخبارات الإسرائيلي (الموساد) رومان غوفمان.

ووفق سانا، تركّزت المباحثات على «وضع آليات عملية لوقف الاعتداءات والاعتقالات وعمليات الاستهداف الإسرائيلية»، وعلى «إحياء مسار التفاوض للوصول إلى اتفاق أمني دائم بين الجانبين». كما بُحثت مساعي تهدئة التوتر بين إسرائيل وتركيا، ومنع تحوّل الأراضي السورية إلى ساحة صراعٍ بينهما.

تأتي الجلسة بعد أكثر من عام من محاولات واشنطن التوسّط لاتفاقٍ أمني بين إسرائيل وحكومة الرئيس السوري أحمد الشرع. فمنذ سقوط النظام السابق في كانون الأول/ديسمبر 2024، شنّت إسرائيل مئات الغارات على سوريا، ودفعت بقواتها إلى المنطقة العازلة التي تشرف عليها الأمم المتحدة في الجولان المحتل. وكانت آخر الضربات قصفَ مطار أبو الظهور العسكري في إدلب الخميس الماضي، بذريعة منع انتشار قواتٍ تركية فيه، وهو ما نفته دمشق وأنقرة معاً.

شروطٌ إسرائيلية ومطالبُ سورية

شدّد الوفد السوري، بحسب سانا، على أنّ «سوريا دولة ذات سيادة، ولها الحقّ الكامل في إعادة بناء جيشها الوطني وتطويره، وفي تحديد تحالفاتها وشراكاتها بما يخدم مصالحها الوطنية»، رافضاً أيّ ترتيبات تقيّد هذه الحقوق. وأولوية دمشق المباشرة، كما نقلت الوكالة، هي انسحاب إسرائيل إلى المواقع التي كانت تحتلّها قبل الإطاحة بالنظام، والاستعادة الكاملة لاتفاق فضّ الاشتباك الموقّع عام 1974، مع التأكيد على السيادة السورية على الجولان المحتل.

في المقابل، نقلت وسائل إعلام إسرائيلية أنّ المحادثات كانت «إيجابية»، وأنّ تل أبيب دخلتها بجملة «خطوط حمراء»: منع أيّ نشاط عسكري تركي في سوريا، وإبقاء الجانب السوري من الجولان منزوع السلاح، و«ضمان أمن» الطائفة الدرزية، ومنع الجيش السوري من امتلاك منظومات سلاح استراتيجية. والأهمّ أنّها ربطت أيّ انسحابٍ من الأراضي التي تحتلّها بتحقيق «إنجازات دبلوماسية».

وقال الشيباني لوكالة رويترز، في مقابلةٍ سبقت الاجتماع، إنّ دمشق «لا تثق بإسرائيل» لكنّ «باب الدبلوماسية يبقى مفتوحاً»، مضيفاً أنّ الجانبين كانا قد اتفقا مبدئياً «على كلّ شيء تقريباً» مطلع العام، بما في ذلك ترتيباتٌ لمناطق أمنية في جنوب سوريا ومنطقةٍ عازلة لا تتواجد فيها سوى قوات أممية، قبل أن يتجمّد المسار أواخر شباط/فبراير مع بدء الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

من الجولان إلى الجنوب: المنطق نفسه

لم يُبدِ كثيرٌ من المتابعين تفاؤلاً. فقد رأى الباحث في «معهد الشرق الأوسط» حسن منيمنة، في حديثٍ لقناة الجزيرة، أنّ الجولة الحالية قد لا تفضي إلى تهدئةٍ حقيقية، بل إلى العكس: «بعد أن أبدت سوريا رغبتها في التهدئة، من المرجّح أن تأتي إسرائيل بمزيدٍ من المطالب، وأن يتفاوض الأميركيون عليها». وأشار إلى قلق دمشق من أن تتحوّل البلاد إلى ساحة صراعٍ بين إسرائيل وتركيا، ومن التمدّد الإسرائيلي في أراضيها وصولاً إلى جبل الشيخ (حرمون).

هنا يتقاطع المشهد السوري مع اللبناني. فالمقاربة التي تعتمدها إسرائيل واحدة: ضغطٌ ميداني متواصل يسبق أيّ تفاوض ويصوغ شروطه، وربطُ الانسحاب من الأرض المحتلة بمكاسب سياسية تُنتزع على الطاولة لا تُمنح مجاناً. ومن يجلس تحت وطأة الغارات هو من يُطلب منه أن يقدّم التنازلات.

يعيش جنوب لبنان المنطق ذاته. فرغم وقف إطلاق النار المعلن أواخر عام 2024، لم تتوقف الغارات على قرى الجنوب وبلداته، ولا تزال إسرائيل تحتفظ بنقاطٍ داخل الأراضي اللبنانية. تسقط في كلّ أسبوعٍ خسائر بشرية وبيوتٌ تُمحى، فيما تُدار المفاوضات وفوق رؤوس أصحابها. إنّها المعادلة التي يعرفها أهل الجنوب جيداً: القرار يُصنع في العواصم، والثمن يُدفع على الأرض.

ما ينتظره لبنان

ما يجري في عمّان ليس ملفاً سورياً معزولاً، بل حجرٌ في هندسةٍ أمنية إقليمية يُعاد رسمها برعايةٍ أميركية، تمتدّ من الجولان إلى الجنوب اللبناني مروراً بغزة والبحر الأحمر. وإذا ما تقدّم مسارٌ سوري إسرائيلي، فمن المرجّح أن يصبح الملف اللبناني، بشقّيه الانسحاب من الجنوب ومستقبل قوة «اليونيفيل»، جزءاً من الصفقة الإقليمية نفسها.

يبقى السؤال الذي لا يطرحه المتفاوضون: ماذا عن الناس الذين يعيشون على خطوط التماس؟ بين طاولةٍ في عمّان وقصرٍ في باريس، تُرسم مصائر بلدانٍ بأكملها، بينما تدفن قرى الجنوب شهداءها وتعيد بناء ما تهدّم فوق ركامه. تلك هي الحقيقة التي تختبئ خلف بيانات التهدئة: أنّ المنسيّين، على ضفّتي الحدود، هم أوّل من يسدّد فاتورة المعادلات.