بينما يحصي الجنوب اللبناني شهداءه من غاراتٍ لا تتوقّف، وتراوح طاولة روما مكانها بلا موعدٍ لجولةٍ ثامنة، اشتعلت نارٌ جديدة بعيداً عن الحدود: في مضيق هرمز، حيث عادت المواجهة المباشرة بين واشنطن وطهران إلى الواجهة. قد يبدو المشهد بعيداً عن قرى الجنوب المنهكة، لكنّه ليس كذلك. لبنان، كعادته، ليس متفرّجاً على صراع العمالقة، بل ساحةٌ من ساحاته وورقةٌ على طاولاته.

ماذا جرى في هرمز

أعلنت القيادة المركزية الأميركية تنفيذ سلسلة ضرباتٍ على أهدافٍ مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، شملت للمرة الأولى ناقلات نفطٍ إيرانية، وذلك بعد اتهام واشنطن طهران بمحاولة زرع ألغامٍ بحرية في مضيق هرمز أحد أهمّ ممرّات النفط في العالم. وردّت إيران خلال ساعات بإطلاق صواريخ باليستية ومسيّرات على قواعد أميركية في الأردن والبحرين والعراق، اعترضت الدفاعات الجوية معظمها، من دون تسجيل إصاباتٍ مؤكّدة، وفق ما أوردته القيادة المركزية ووكالات دولية. المواجهة، وإن بقيت مضبوطةً حتى الآن، تعيد فتح فصلٍ خطيرٍ في حربٍ تمتدّ منذ أشهر.

لبنان ليس على الحياد

من يظنّ أنّ ما يجري في الخليج شأنٌ لا يخصّ بيروت يخطئ في قراءة موقع لبنان. فملفّاته الكبرى، من مفاوضات الجنوب إلى مسألة سلاح حزب الله، ليست ملفّاتٍ لبنانية صرفة، بل هي جزءٌ من معادلةٍ إقليمية يتقاطع فيها الخطّان الأميركي والإيراني. حين يشتدّ الاشتباك بين واشنطن وطهران، يضيق هامش المناورة أمام اللبنانيين، وتصبح أوراقهم رهينة توازناتٍ تُرسم في مكانٍ آخر. هذه ليست نظرية مؤامرة، بل قراءةٌ لواقع بلدٍ صغيرٍ تتنازعه المحاور منذ عقود.

مسار روما في مهبّ الريح

كان مسار روما متعثّراً قبل نار هرمز، بلا موعدٍ للجولة الثامنة وبعقدةٍ اسمها التلكّؤ الإسرائيلي. التصعيد الجديد يزيد الطين بلّة. فحين تنصرف واشنطن إلى إدارة مواجهةٍ مفتوحة مع إيران، يتراجع الملفّ اللبناني في سلّم أولوياتها، ويصبح عرضةً لأن يتحوّل إلى بندٍ صغير في مساومةٍ كبرى. الأخطر أن يُصار إلى تجميد الدينامية الدبلوماسية برمّتها في انتظار انجلاء غبار المعركة الإقليمية، وهو انتظارٌ يدفع ثمنه الجنوب من أمنه واستقراره.

الجنوب في العين

في كلّ اهتزازٍ إقليمي، يكون الجنوب اللبناني الحلقة الأضعف والأكثر انكشافاً. فالفوضى التي تولّدها المواجهات الكبرى قد توفّر غطاءً لتوسيع العدوان الإسرائيلي، الذي لم يتوقّف أصلاً عن استهداف القرى والبلدات بغاراتٍ شبه يومية. أهل الجنوب، الذين اعتادوا أن يكونوا خطّ الجبهة الأول في حروبٍ لم يقرّروها، يجدون أنفسهم اليوم مرّةً أخرى في مرمى النار، يترقّبون ارتدادات معركةٍ تدور على بُعد آلاف الكيلومترات، لكنّ شظاياها قد تصل إلى حقولهم وبيوتهم.

معادلة الرهائن

هنا تتكرّر المأساة اللبنانية القديمة: بلدٌ صغيرٌ تُوزن مصائره على طاولاتٍ بعيدة، ويُدفع ثمن قراراته في عواصم أخرى. كلّما اشتدّ الاستقطاب بين المحاور، ضاقت مساحة القرار الوطني المستقلّ، وتحوّل لبنان إلى رهينةٍ لحساباتٍ ليست حساباته. ليست هذه دعوةً إلى اليأس، بل تذكيرٌ بأنّ حماية البلد تبدأ من رفض الزجّ به في نيران الآخرين، ومن التمسّك بأولوية واحدة: وقف العدوان على الجنوب واستعادة الأرض المحتلّة.

ماذا نراقب

في الأيام المقبلة، ثلاثة مؤشّرات تستحقّ المتابعة: هل يُحدَّد موعدٌ لجولة روما الثامنة أم يُدفن المسار تحت ركام التصعيد؟ وكيف يتصرّف الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب في ظلّ انشغال المنطقة، تصعيداً أم انكفاءً؟ وأيّ رسائل تبعث بها واشنطن إلى بيروت وسط انشغالها بطهران؟ الإجابات ستحدّد ما إذا كان لبنان سيبقى على هامش العاصفة، أم سيُجَرّ مجدّداً إلى قلبها. وفي الحالتين، يبقى الجنوب هو الاسم الأول على لائحة من يدفعون.