في خطوةٍ توصف بالتاريخية، أخرجت الولايات المتحدة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب بعد سبعةٍ وأربعين عاماً من إدراجها. قرارٌ يحمل ثقلاً رمزياً بقدر ما يحمل تبعاتٍ عملية، لكنّه يولد في لحظةٍ إقليمية مشحونة، تجعل السؤال الأهم ليس ما تحقق، بل ما إذا كان سيصمد.

القرار: ماذا أُلغي بالضبط؟

أعلن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الاثنين، إلغاء تصنيف سوريا دولةً راعية للإرهاب، بعد انتهاء مهلة إخطارٍ إلزامية للكونغرس مدتها 45 يوماً، وفق ما نشرته وزارة الخزانة الأميركية ونقلته شبكتا CNN وBBC عربي. ولم يقتصر القرار على الدولة، بل شمل أيضاً إلغاء تصنيف هيئة تحرير الشام، المعروفة سابقاً بجبهة النصرة، منظمةً إرهابية عالمية، وهي القوة التي تنحدر منها السلطة الحالية في دمشق.

بهذا، يُرفع عائقٌ قانوني كان يحول دون التعامل الرسمي والمالي مع الحكم الجديد، ويفتح الباب أمام المساعدات والاستثمار وإعادة الإعمار، بحسب ما أوردته تقارير عدة.

من 1979 إلى اليوم

كانت سوريا مدرجة على قائمة الإرهاب الأميركية منذ عام 1979، في واحدةٍ من أطول عمليات الإدراج وأكثرها رسوخاً. وقد بدأ مسار رفع الاسم حين أخطر الرئيس الأميركي دونالد ترامب الكونغرس رسمياً، في الثامن من تموز/يوليو، بنيّته إلغاء التصنيف، وذلك عقب اجتماعه بالرئيس السوري أحمد الشرع في أنقرة في الشهر نفسه، وفق BBC عربي. وبانقضاء مهلة المراجعة، دخل القرار حيّز التنفيذ.

من جانبه، رحّب الشرع بالخطوة في خطابٍ ألقاه الثلاثاء، قائلاً إنّ سوريا «تنفض عن كاهلها نكتة سوداء، وتمزق بأيديها صفحة من ماضيها الأليم، لتنطلق إلى فضاء التنمية والإعمار والبناء».

ما الذي يتغيّر عملياً؟

على المستوى العملي، يزيل القرار قيوداً واسعة كانت مفروضة على التمويل والتحويلات المالية والمساعدات، ويمنح دمشق هامشاً أوسع للانفتاح على المؤسسات الدولية والمستثمرين. غير أنّ رفع الاسم من هذه القائمة تحديداً لا يعني تلقائياً رفع كامل العقوبات الأخرى المفروضة على سوريا، وهو ما يبقي جزءاً من القيود قائماً في انتظار خطواتٍ لاحقة.

ويتقاطع القرار مع تحوّلٍ داخلي متسارع: فقد أعلن قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي حلّ هذه القوات ودمجها في مؤسسات الدولة السورية، وفق ما نقلته الجزيرة، في مؤشرٍ إضافي على إعادة تركيب المشهد السوري تحت سلطةٍ مركزية جديدة.

اختبار الداخل والجوار

لكنّ المسار ليس خالياً من الألغام. فالقرار يأتي وسط توترٍ متصاعد مع إسرائيل، التي تواصل ضرباتها وتوغّلاتها في الجنوب السوري، بينما تبقى تحديات الداخل، من إعادة بناء مؤسسات الدولة إلى ضمان تمثيل مكوّنات البلاد كافة، عبئاً ثقيلاً على أيّ سلطةٍ ناشئة.

وبالنسبة إلى لبنان، لا يمرّ التحوّل السوري مرور الكرام: فأيّ استقرارٍ أو انفتاحٍ في دمشق ينعكس على ملفات الحدود، وعودة النازحين، وشبكة العلاقات الاقتصادية بين البلدين. جارٌ خارجٌ من عزلةٍ طويلة يعني بيئةً إقليمية مختلفة يعيش فيها لبنان، في وقتٍ لا يزال جنوبه تحت النار وطاولات التفاوض معلّقة.

يبقى أنّ رفع اسمٍ من قائمة، مهما كان رمزياً، لا يعيد بناء بلدٍ أنهكته سنوات الحرب. الأبواب فُتحت، لكنّ عبورها رهنٌ بما سيثبته الحكم الجديد في الداخل، وبما سيسمح به الجوار في الخارج. القرار نهاية عزلةٍ على الورق، وبداية اختبارٍ على الأرض.